سورة آفستا خابور الحرّة المضيئة

 ابراهيم محمود 
ما أذكره هو أنني كتبت عن البطلات الكرديات ” آرين ميركان- 7 تشرين الأول 2014 “، و”  نارين عفريني – 3 تشرين الثاني 2014 “، و”  Sifa Gerdî- 25 شباط 2017 “، وها هي آفستا خابور ” زلوخ حمو ” تدخل على الخط الكردستاني المعبًّد بنجوم سماء كردستانها، وهي تمضي على ورقة رحيلها الأبدي، ملوّحة بها في وجه غطرسة عدو وطنها وشعبها: العدو التركي، وهي تفجّر نفسها في دبابة تركية في ” 27-1 / 2018 “، وتحرّرها للأبدية .
كان يمكن لآفستا كما تقول شهادتها الوجهية وفراتية ابتسامتها أن تهبَ نفسها لحياة عابرة، سوى أن الذي حملته على صدرها العفريني ارتقى بها إلى أعلى عليين، لتبقى ما بقيت خالدة في ذاكرة من يجيد معرفة البطولة الجليلة كردياً.
لا أدري من أين جيء باسمها الحركي ” آفستا ” ليكون شهادة عبور غير اعتيادية في زمن غير اعتيادي وسط حشود أعداء غير اعتياديين بهمجيتهم وسعيهم إلى محو كل أثر لشجر كردي وحجر كردي وبصمة كردية، لتكون آفستا كما هو كتاب سلفها العظيم الجامع بين أرض لا تبلى وسماء لا تبلى بكرديتهما : زرادشت، إنما ليكون المداد المسطور على إيقاع خابورها الخاص، لتكون آفستاها ضامَّة إليها كل وجود كردستانها، كائناتها، جماداتها، وهي تفتتح زمنها الكردي غير الاعتيادي بالمقابل باسم المرأة الكردية وهي تنسف خرافة ” الحرملك والزلملك “، وهي تؤكد على أن المرء الذي قد تميته إبرة صغيرة معدومة الوزن، يمكن لجسد ناعم نعومة حلم الوردة بالندى، وعمر غض، غضاضة أفوافها ، جسدها الآفستائي، أن يحيل حديداً متعجرفاً، طاغية بمن وما فيه، حديد دبابة امبريالية الصنع, آثمة في توجهها، إلى  شظايا وسط ذعر موجهيها إلى حيث يتلبس كابوس الكردي المديد  العنيد المجيد وجه أردوغان المترَف بالجرائم قياماً وقعوداً ومن في الجهات الأخرى من ندمائه في حربهم الهستيرية ضد الكردي .
آفستا، يُسبّح باسمك يراعي، وتهتف باسمك كل الحجارة التي لامسها جسدك في زحفه المهيب موحداً، وكل تناثراته وهي تعيد الطمأنينة إلى جهات كردستانك أن كل شيء على ما يرام.
يقيناً ياآفستا أنك بدخول الرقم الصعب والجليل في سجل البطولة الكردية، ستدفعين بالكثير ممن يخسأون برطانة مما هو عليه دم الكردي، وقيامته المرهوبة الجانب، ممن يخافون من ظلهم إزاء بطولة شامخة كهذه، لأن يفكّروا فيما هم عليه، وما يؤول إليهم أمرهم المقيت، وتزيد وثبتك القياماتية في عارهم حيث لا يكفّون عن السخرية مما يجري، وفي خجلهم مما هم فيه وهم بخصائهم العليم، وأنت المنطلقة أكثر من لبوة من نار صاعقة، أكثر من ترجمة كردية صادقة والولادة عفرينية، والنسب كردستاني، وهل من مفخرة أسمى من هذه المفخرة ؟
آفستا، أعتذر منك كثير الاعتذار، إذ لم أستطع كتابة ما يليق بجسارتك وحرارتك وضراوتك وحلاوتك وإقدامك السامق، أعتذر مراراً وتكراراً وأنت في عليائك السبحانية، بكلماتي المتواضعة هذه أشد التواضع، مع قبلاتي الستينية لشهقتك الأخيرة التي أستشعرها وهي تهبُني بعضاً مما يقيني من يأس قائم يُسمى هنا وهناك، ويمدُّ في عمر يقيني وتماسك حلمي إلى ألف عام وعام.
سلمتِ وأنت حيّة، سلمت وأنت أكبر من حية وخالدة، ولا نامت أعين الجبناء  حيث يقيمون !
دهوك- في 31- 1/ 2018 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…