القضية الكردية و «الإخوان» قبل أردوغان وبعده

فيصل العساف
القول إن جماعة الإخوان المسلمين إنما هي حزب سياسي غارق في البراغماتية النفعية، وإن الإسلام ليس أكثر من شعار يتم رفعه في الطريق نحو تحقيق الأهداف المرسومة سلفاً، قد لا يلاقي صداه لدى غالبية الأوساط الشعبية المسلمة حول العالم، حتى وهم يشهدون المسلَّمات تنتهك بصورة أو أخرى من الجماعة، بذرائع مختلفة، ليست من الدين في شيء.
إن غسل الأدمغة الذي مارسه «الإخوان» وهم يمتطون الإسلام منذ نشأتهم قبل أكثر من 80 عاماً، صعّب على البعض قبول فكرة أنه قد تم «الضحك» عليه بهذه السهولة، لهذا فإن تبرير ممارسات «الجماعة» المشينة بحق الإسلام والمسلمين، ينحرف عن سياقه في الغالب، ليتخذ شكلاً من أشكال الدفاع عن النفس، لدى أولئك المخدوعين.
هذه التوطئة ضرورية قبل الولوج إلى الحديث عن طريقة التنظيم «المتأسلم» في تناول القضية الكردية، نظراً إلى ما تمثل مواقفه الأخيرة تجاهها من انتكاسة حادت عن مبادئه، لتغلّب المصلحة السياسية، كما جرت العادة في العرف الإخواني، على ما سواها، وتعلن لـ «ذوي النهى» أن الورع الديني «الشكلي»، ما هو إلا انغماس تام في دهاليز السياسة، يتم تفصيله على مقاس الغاية. لقد شكّل تولي الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان مقاليد السلطة في بلاده نهاية لتاريخ ممتد من الدفع الإخواني في اتجاه تحصيل الحقوق التاريخية للأكراد.
في زمن سابق، كانت الجماعة تركّز على الموقف التركي المناهض للشعب الكردي، باعتباره متماهياً مع «الصليبيين»، ذلك أن ورثة «العلماني» أتاتورك كانوا- وفق ادعاءاتها- ينفذون أجندة غربية وليست وطنية، ترمي إلى الانتقام من الأكراد، ثأراً من صلاح الدين. يقول مصطفى مشهور، المرشد العام الخامس للإخوان المسلمين: «تعرض الشعب الكردي إلى كثير من الظلم والقهر في تركيا، منعوا التكلّم والتعلّم بلغتهم الأم»، فيما قال يوسف القرضاوي «كبيرهم الذي علمهم سحر التلون»: «إنهم يتعرضون للتشريد والتجويع وهدم قراهم ومساجدهم».
أما اليوم، فإن ملهم دروبي، عضو مجلس قيادة جماعة الإخوان المسلمين في شقها السوري، عبر عن موقفها المتخاذل ناحية الأكراد، في معرض استنكاره على مدير مركز الشرق العربي، زهير سالم، الذي دعا الله، في تدوينة كتبــــها بحسابه في «فايسبوك»، أن يحفظ الشعب الكردي. يقول دروبي: «هذا البوست من الأستاذ زهير سالم في هذه الأيام غير مناسب، ولا يمثلني»، مضيفاً: «إن البوست خذلان لتركيا»! غاب عن الجماعة، أو لعلها تجاهلته عن قصد بما أنه لا يخدم أجندتها، أن الموقف الأردوغاني ما هو إلا امتداد لنهج أتاتورك، الذي تنصّل من وعد «عثماني» يمنح الأكراد حكماً ذاتياً لمناطقهم، وفق معاهدة «سيفر» 1920.
القضية الكردية مثال حي للعب الإخوان المسلمين على حبال العــواطــف في سبــيــل السياسة، كما فعلوا في مسألة التطبيع التركي – الإسرائيلي، إذ جيرّوه – لا أعلم كيف- في حساب أهل غزة، ولمصلحتهم! وكما يحتج فرعهم العراقي بعدم جدوى إخلاء الساحة السياسية من المكون السنــي، لتبريـــر مشاركتهم حكومات بغداد المتعاقبة منذ سقوط بغداد 2003، في حملات التطهير الطائفي بحق السنة! ومثلما يجري في لعبة التخادم السياسي بينهم وبين الإيرانيين، في سبــيــل الانقضاض على مقدرات الدول العربية، معلقين أحلام شعوبها على مشانق الثورات المسلحة، بلا هوادة!
وكما هي الحال في حملة دعمهم «المؤزر» للجيش التركي الذي يخوض معركته الخاصة هذه الأيام في عفرين السورية، منتهكاً قواعد الإنسانية في حق «الكردي»، الذي اقترف خطيئة رفع رأسه، محاولاً استنشاق نسائم الحرية.
«لست أدري، هؤلاء الظالمون للشعب الكردي كيف يعيشون؟ وكيف يأكلون ويشربون؟ كيف ينظرون إلى أبنائهم في الوقت الذي هناك من يئن من جورهم وظلمهم»؟ قالتها «أختهم» زينب الغزالي، قبل 30 سنة مما تعدون.
نقلاً عن ” الحياة ” اللندنية ” ، 29-1/2018 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…