الحرب على عفرين وأصل المشكلة

جان كورد 
الرئاسة التركية والحكومة التركية، بل معظم الأوساط السياسية في تركيا متفقة على قدسية الحرب التي يخوضها الجيش “المحمدي!” التركي، المكوّن العسكري الثاني بعد الجيش الأمريكي في حلف الناتو الذي شعاره الصليب، ويساعده في هذا العدوان السافر على أراضي سورية مرتزقته من “الجيش السوري الحر!” على الشعب الكوردي في منطقة جبل الأكراد ومركزها مدينة عفرين، في أقصى الشمال الغربي من سوريا.  وذلك بذريعة حماية “الأمن القومي التركي”، على الرغم من أن الكورد في سوريا عامةً ليست لهم مشكلة مع تركيا، بل لهم علاقات ثقافية وتجارية متينة وعريقة بشعبها، منذ قرونٍ عديدة، ويقول السيد رجب طيب أردوغان (الجيورجي أصلاً) بأنه سيعيد المنطقة إلى أصحابها الحقيقيين، وهو يعني “العرب والتركمان”، على الرغم من أن التسمية الرسمية للمنطقة منذ العهد العثماني هي (جبل الأكراد: كورد داغ)، وليس هناك قرية تركمانية أو عربية واحدة في هذه المنطقة من بين (365 قرية) كوردية، ومنذ اندلاع الثورة السورية قبل أكثر من سبع سنوات وإلى اليوم لم يقم أي تنظيم سياسي كوردي سوري بإطلاق طلقة رصاص واحدة على الأراضي التركية، فأي خطرٍ تزعم الأوساط التركية وجوده لتخويف شعبها؟ 
ولا يكتفي نظام أردوغان المتخبط في سياساته الداخلية والخارجية ب”توحيش العدو” الذي هم في نظره “الكورد” وإنما وصل به التهوّر إلى “تكفير الكورد”، إذ أنه نشر في العالم الإسلامي كله عن طريق إخوانه المسلمين ما مفاده أن الجيش الإسلامي التركي لا يحارب من أجل أمنه القومي وإنما يجاهد ضد الكفر والشرك المتمثل في الكورد، فها هم أئمة المساجد في شتى أنحاء العالم الإسلامي يدعون لهذا الفصيل العسكري من فصائل حلف الناتو بالنصر على “الكفار والمشركين الكورد!”. وهذه أقبح صورةٍ من صور الدعاية والتجييش أثناء الحرب، وإذا كانت إيران تقتل السوريين بذريعة أنهم ضد “آل البيت” فإن تركيا تفتل الكورد اليوم بذريعة أنها تجاهد في سبيل الإسلام، والطرفان يكذبان، فالسوريون أشد حباً لأهل البيت وأقربهم إليهم من الفرس والكورد أحسن إسلاماً من الترك طوال تاريخهم، والدولة التركية تحلم بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي الذي سماه معلم أردوغان السابق، السيد أربكان ب”النادي المسيحي”، بل إن وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا ما كان ليتم لولا دعم الكورد المسلمين له، وبالتالي فإن وصول السيد أردوغان ذي الخطب الدينية الرنانة إلى كرسي الرئاسة تم بدعم الكورد له.
وفي الحقيقة، فإن كل الخمارات وملاهي الليل وبيوت الدعارة والبنوك التي تتداول بالربا في تركيا مرخصة ومسجلة لدى الدوائر الرسمية وتأخذ حكومة حزب العدالة والتنمية “الإسلامي” منها الضرائب التي توزع منها نسبة على أئمة المساجد وخطبائها، فهل يستطيع السيد أردوغانوف (نسبةً إلى علاقاته الحميمة مع بوتينوف) وأتباعه من الإخوان المسلمين في شتى أنحاء العالم إنكار هذه الحقائق؟  
وإذا كانت هذه التراخيص من عهودٍ سابقة، فلماذا لم نسمع يوماً بعزم السادة الأردوغانيين على منع أماكن الفسق والفجور؟ فأي إسلام يتحدثون عنه في تركيا ويدافعون عنه؟ 
الذريعة الأخرى التي يتذرع بها هؤلاء هو أن الحكومة التركية تحارب الإرهاب في سوريا. وفي الحقيقة، فإن كل معارضٍ لنظام أردوغان “إرهابي”، ومن المعتقلين بذريعة الانضمام لحركة إرهابية، عشرات الألوف من القضاة والجنرالات والصحافيين والمعلمين والكورد منهم على وجه الخصوص. وإذا كانت الحكومة التركية فعلاً ضد الإرهاب، فكيف تسلل آلاف من الإرهابيين عبر تركيا إلى سوريا؟ فهل من توضيح؟ بل على العكس من ذلك، فإن هناك أكثر من دليل على أن تركيا دعمت الإرهابيين ضد الكورد في المعارك التي جرت على حدودها، فجماعة النصرة وداعش وغيرهما كانت أقرب للحكومة التركية من الكورد الذين حاربوا الإرهابيين بيسالة. 
أصل المشكلة في هذه الحرب المعلنة على الشعب الكوردي يكمن في تركيا وليس في سوريا، فقد فشل نظام أردوغان في تحقيق أي خطوةٍ للسلام مع حزب العمال الذي يترأسه السيد عبد الله أوجلان، رغم وعوده قبل الوصول إلى الحكم بأنه سينهي المشكلة التي استنزفت طاقات البلاد وفشلت الأحزاب الكلاسيكية في حلها، كما أن السيد أردوغان فشل تماماً في الحصول على رأس غريمه فتح الله غولن من الولايات المتحدة الأمريكية وفي الانضمام إلى الاتحاد الأوربي وفي تحسين وضع العملة التركية، وبسبب فشله في بلاده فإنه يسعى لنقل همومه إلى خارج البلاد، ويحاول بالانتقال من الداخل إلى الخارج تحقيق ما يمكن تسميته بانتصارات، والأوضاع في سوريا أنسب لمغامراتٍ تهدف إلى تحقيق ما يصبو إليه، وثمة سوريين طائعين يعيشون على المساعدات التركية لا يستطيعون رفض الأوامر الصادرة إليهم من قياداتهم المرتبطة بحزب العدالة والتنمية ولهم أطماع في الدخول إلى منطقة عفرين منها الاستيلاء على ممتلكات الشعب الكوردي، تعويضاً لما خسروه في مناطقهم. 
الحقيقة الساطعة هي أن بعض السياسيين الترك ومنهم رئيس الجمهورية نفسه لا يخفون رغبتهم القوية في ضم منطقة جبل الأكراد إلى تركيا، مثل لواء الإسكندرون سابقاً، ويبدو أن بعض قادة ما يسمى ب”الجيش السوري الحر” غير مهتمين بذلك، فهم لا يرون أبعد من أنوفهم وعدوهم الاوّل الآن هم الكورد، وقد سمعنا كثيراً من أبواقهم وزعمائهم ما ينفثون من كرهٍ وحقدٍ على الشعب الكوردي.  
يقول السيد أردوغان بأنه سيحارب “الإرهابيين” أينما كانوا، ويبدو أنه يجد كل الكورد “إرهابيين” حتى البرلمانيين الكورد في برلمان تركيا
السؤال بعد ما ذكرناه هو: إلى متى ستصمد الدولة التركية في إنكارها لوجود الشعب الكوردي وحقه في الحرية؟ وهل ستتمكن من تسخير “إسلام” الكورد والعرب لخريطتها العنصرية الطورانية إلى الأبد؟ لا أعتقد، فإن الشعوب لم تعد جاهلة ولم تعد تنخدع بالشعارات الدينية أو المذهبية الزائفة، ولا يمكن أن تعود تركيا إلى مكان الصدارة في العالم الإسلامي لأنها أضعف سياسياً واقتصادياً من أن تتحكّم عسكرياً بمقدرات المسلمين، والتاريخ لا يعيد إلى الوراء، بل إنه في تقدّم وتطوّر. 
ونقول للسيد أردوغان: “هل كانت قوى الشعب الكوردي في جنوب كوردستان “إرهابية” حتى وقفت ضدهم؟ فلن تخدع سوى الأتراك بهذه الترهات المضللة. وإن كنت فعلاً تؤمن بالله تعالى فكفّ عن قصف القرى الكوردية لأن الذين يقتلون نتيجة هذه الغارات هم الأطفال والنساء وكبار السن، والصور التي بين أيدينا تفضح ذلك بوضوح.       وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ سينقلبون.
24/1/ 2018
Facebook: Kurdaxi1                   kurdaxi@live.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…