من عفرين إلى ديركا حمكو

 ابراهيم محمود 
سأكتب بصفتي كُردياً ساذجاً سذاجة تعنيني حصراً، بعكس الذين يفكرون من كردنا على طريقة ” البيضة أم الدجاجة “، فأقول:
عندما توجّه تركيا أردوغان قذائفها صوب عفرين ومحيطها، صوب عامودا، ومخفر في ” هلالية ” قامشلو ” وأطراف من ديركا حمكو، وهي المساحة التي يعتبرها أردوغان مكمن الخطر الحدودي الذي يهدد تركيا” ه”، فذلك اعتراف مباشر منه أنها هذه المناطق تخص الكرد وليس سوى الكرد، وأبعد منها، حتى لو كان فيها عرب وسريان وأرمن وشركس، أليس في هذا القصف العشوائي ” وهو مدروس طبعاً ” هنا يؤكد على أن أردوغان لا يفرّق بين كردي وكردي، ويعرّي كرد منطق ” البيضة أم الدجاجة ” البائس، كونهم يقولون: نحن كرد ولكن…؟
من المؤسف جداً أن هناك جمعاً غفيراً من السياسيين الكرد، أن هناك جمعاً غفيراً من المعتبرين على الثقافة عموماً والكردية ضمناً، يتحدثون قياماً وقعوداً عن ظلم التاريخ لهم، وظلم القدر لهم، وفي كل حدث تاريخي درس تاريخي يقول لهم: أنتم كرد مهما تكاثرت أحزابكم وطوائف كتابكم، وتخالفت مواقف سياساتكم، إذ يكفي أنكم تعرّفون بأنفسكم كرداً، لهذا، لا استثناء لأي كان في الملاحقة والمراقبة والشك في أمر كرديته من قبل المتربص بكم هنا وهناك، حتى يقول بصراحة مسموعة: أنا لست كردياً…. وما يجري في أيامنا هذه، المثل البليغ على وجود أكثر من درس تاريخي للكرد ممن ذُكِروا بأحوالهم وهم في مرمى القصف التركي والعنف التركي والإمحاء التركي لهم؟
وفيما تقدم، ثمة العجب العجاب، وهو خاص بوعي الكردي، وتاريخ الكردي، وسيكولوجيا الكردي، وعضوية الكردي الذي يصف نفسه منتمياً إلى هذه الخانة الكردية أو تلك، بينما يقول منطق أردوغان ” وقس على ذلك : لا ليس من خانات كرد، فالكل كرد .
أحسب أن السياسي الكردي الذي يجد نفسه مواجهاً بقذائف أردوغان ومن يعملون تحت إمرته من ” الجيش السوري المؤمَّم أردوغانياً أو من قبل دولت بهجلي “، ومقابل هذا السياسي توأمه الثقافي، أنَّى كان موقعه، وهو يزعم قراءته للتاريخ ومعرفته بالتاريخ: تاريخه طبعاً، لا صلة له بالتاريخ لا من بعيد أو قريب، طالما أن منطقه في القول وفي وضعنا كالذي نعيشه هو: نعم أنا كردي ولكن…! برهاناً على أن الشقاقية التي يرددها في كل اجتماع حزبي، أو مناسبة مختلفة،  وهو يدين كرده: من أحزاب أخرى، وغيرها، تعرّيه باعتباره عبئاً على كرديته، كما لو أن رغبته الضمنية تقول: ما تقوم به طائرات أردوغان ومدافعه وجنوده الخاصون ومرتزقته وهم خلائط من قصف للمناطق التي سمّيت، والكرد الذي ينتمون إلى جغرافيتهم الناطقة بلسانهم الفصيح، كما لو أن عين رغبتهم تقول: لا شأن لنا بها، أو….إنها تفعل الصواب، أي وهم بعين بعين رغبتهم تلك أيضاً، يوجّهون قذائفهم القاتلة والسامة والدخانية الخانقة إلى بعضهم بعضاً .
من المؤسف جداً أن منطق ما قبل الوعي القومي، ومثله منطق ما قبل منطق الكردايتي، هو الذي يشكّل خلاصة تفكير من أشيرَ إليهم سياسيين وكتاباً، لا بل إن منطق الحد الأدنى من الإحساس الإنساني، أو الشعور الإنساني، فيما نحن عليه، يظهِر أن ليس من صلة نسَب تجمع بين هؤلاء الذين يفكّرون بمنطق ” ولكن ” أو ” إنما ” أو ” لو أن “….
ومن المؤكد أنه عندما تنال من أحدهم قذيفة أردوغانية أو رصاصة أردوغانية، وهو مستمتع بغفلته التاريخية، حينها ربما يكتشف لكم كان خارج التاريخ، سوى أنه في تلك الحالة لن يستطيع النطق أبداً أبداً، لأن أمره يكون انتهى.
فمتى ينتقل ” الحنظلة ” الكردي المقيم ما بين عفرين وديركا حمكو من غفلته اللاتاريخية إلى يقظته التاريخية ؟!
دهوك- في 24 – 1 / 2018 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط نظام الاستبداد في الثامن من ديسمبر \ ٢٠٢٤ ، وملاحقة…

اكرم حسين يشهد تاريخ سوريا المعاصر مرحلة مفصلية، حيث يتداخل الحاضر بالماضي وتتراكم المصائر على مفترق طرق جديد يعيد رسم علاقات مكونات الدولة السورية ، وفي القلب منها المكون الكردي. فبعد الاتفاق الذي تم في 18 يناير 2026، تلت التطورات التي بدأت بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من دير حافر ومسكنة ، وتعرضها لهجوم من بعض أبناء العشائر العربية ،…

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….