المسلخ الأميركي والجزّار التركي والثور الكُردي

 ابراهيم محمود
ونقول ” ما دخلت أميركا جهة، منطقة، بلدة، إلا وأفسدتها “، تلك هي الصورة التي يمكن استخلاصها من تاريخ التواجد الأميركي في العالم، من تاريخ نقلتها من وراء البحار إلى حيث تستطيع أن تمارس التوتر والمزيد منه حيثما حلّت واستحلت، حتى لو كانت فلسطين/ إسرائيل نفسها.
ونقول: أميركا لا أصدقاء لها إلا مصلحتها وهي تضحّي بكل صديق.
ونقول: تاريخ أميركا مبنيٌّ على الكذب ..
ونقول… ونقول..وها هي مرة أخرى، وفي عفرين تتحول إلى مسلخ كرمى الجزّار التركي تاركة الثور الكردي تحت رحمته وحدَّة حربته .
إنما لماذا نكرر كل هذا الكلام أو نسمعه، ونجد ما يصدقه الواقع، ونثابر على النقيض من ذلك ؟
إذا كانت أميركا كل ما تقدَّم، فهذا يعني أنها لا تقول إلا صدقاً، ولا تمارس إلا صدقاً، ولا تحدد علاقات إلا من موقع صدقها مع نفسها وليس مع أي كان.
لقد اختتمت الحرب العالمية الثانية بالقنبلتين الذريتين، كما تشهد فاجعة هيروشيما وناغازاكي،  وبثَّت الخراب في فيتنام في سبعينيات القرن الماضي، ومثله في أفغانستان وإلى اليوم بعد ذلك، ومن ثم في العراق، أما عن تعاملها مع الكرد، فهي تمثّل أسوأ نموذج سياسي في كيفية ممارسة النفاق السياسي ولو عبر التضحية بشعب كامل. تلك هي أميركا، وما يجري الآن في عفرين ربما هي نسخة طبق الأصل عن هذه المصلحة الخاصة بأميركا والتي تحمل دمغة أميركا وليس سواها. إنما لنتساءل مجدداً: لماذا يطالب الكرد وأولو أمرهم ” الأكراد ” من دولة يتلخص تاريخها بنفاق استثنائي كاالذي، ولا يكفّون عن الإشادة بدورها، وهم يرون بأم عينهم أن حقيقتها في الأمس غيرها اليوم، وهي خلافها غداً. فمن يخدع، ومن يمرر الخديعة، ومن يتكتم عليهم؟ إنما أيضاً لماذا نلوم، ككرد، أميركا إلى هذا الحد ؟ وهي تعرف حدودها الخاصة بها!
ألم يظهر روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق لدى سوريا والباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، بالصوت والصورة، وفي أكثر من لقاء صحفي وتلفزيوني وفي أمكنة مختلفة، وهو يشير إلى لزوم الحذر في التعامل مع أميركا، وأن كل من يجالس أميركا لا بد أن يخسر شيئاً في نفسه أو مكانته إن لم يكن في ساعته ففيما بعد وبعد بعد؟!
هكذا حذَّر المعارضة السورية، إنما لم يدَّخر جهداً في تحذير الكرد مشرقاً ومغرباً، كما في هذه العبارات :
الأكراد سيدفعون ثمن ثقتهم بالأميركيين.
اللعبة انتهت والأكراد ” أغبياء “.
الأسد ربح والأكراد يقومون بأكبر خطأ بثقتهم بالأمريكيين.
نعم، هو ذا كلام مكروه، أي غير مرغوب في سماعه، أي  إنه يكشف عن خطورة اللعبة في التعامل مع أميركا هذه، وتحديداً من قبل من لا يملك حدوداً تردع أعداءه ولو بوازع دولي ما، ولا غطاء أمنياً، يقلّل من حجم خسائره ومآسيه.
” الأكراد ” يرون أنفسهم مضطرين إلى الدخول في اللعبة التي تضع أميركا قواعدها، فهي الخصم والحكم ، كما يبدو، و” الأكراد ” يبتهجون إذا سمعوا من مسئول أميركي مهما صغرت مرتبته حين يصرّح في مكان ما عن وجوب دعم الكرد أو جهة كردية، فيندفع ” الأكراد ” المعنيون بنشوة اللعبة إلى التوغل عميقاً في ساحتها، وخصوصاً حين يتلمسون ما يعزز الكرَم الأميركي بالسلاح والعتاد، وكل ذلك مدفوع ثمنه، ومقدَّر، ولا بد أن عفرين الآن في المصيدة.
لا أحد في الحالة هذه يقدّر الوجع العفريني، ولا صراخ الأم العفرينية وهي مفجوعة بطفل لها، أو بزوجها، أو أي كان من أقاربها، بتفييز أميركي، ومن آمن بالبيت الأميركي، والبيت الأميركي ليس بيت ” أبو سفيان ” ليأمن من دخله، إنما شبكة من المصائد، إلا إذا تنبهنا إلى حساب آخر، وهو أن الذين يقعون في المصيدة الأميركية هذه أو تلك، ليسوا همو الذين يرفعون نخب ” واشنطن ” و” تمثال الحرية ” في نيويورك، ليسوا همو الذين يصافحون المسئول الأميركي هذا أو ذاك، إنما من يدفَع بهم من ” الأكراد ” إلى لزوم التهليل لأميركا حتى لو تبين كذب نواياها، إذ ربما يكون هناك خطأ في الإيصال أو التباس في المعنى… وما في ذلك من تبريرات أخرى، ليزداد عدد المصائد، والضحايا الكرد، ولهذا ربما يكون القادم أعظم.
عفرين في المصيدة الأميركية، والجزار الأكبر تركي، واشتهاء الانتقام الأتاتوركي كبير ومريع، وأعين الآخرين ممن هم في مبنى الأمم المتحدة عمياء تماماً، وآذانهم صماء تماماً، والسماء لا تعباً، والأرض لا ترد غازياً.
وعلى أي جانب التفت ” الأكراد ” فثمة عدو أو أكثر..
إذاً ليس عليهم إلا أن يركّزوا أسماعهم، وأن يدقّقوا بأنظارهم، ويعترفوا لأنفسهم بأنفسهم، أنهم فعلاً يُخدَعون كثيراً، وإذ يخدعون ينتقلون إلى خدعة أخرى ربما أوخم وأفظع منها.
يا لبؤس الكرد، يا لـ” عمى الأكراد ” وأولي أمرّهم !
دهوك – في 21- 1/ 2018 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…