المثقف السوري من تجاوز الضياع إلى الإبداع

 عمر كوجري
خلفت الثورة أو القيامة السورية المستمرة إلى هذه اللحظة جملة من الآثار عكست على مجمل الحياة السورية التي تحولت خلال سبعة أعوام إلى أنقاض، حيث ساهم النظام والكثير من فصائل ما تسمى بالمعارضة لتدمير البلاد ومن جميع النواحي.
وكان من المتوقع والطبيعي أن تتعرض الثقافة السورية لهذا الشرخ الكبير، والتدمير في بعض حقولها، فالمثقفون الحقيقيون اضطروا لمغادرة الوطن، فركبوا الأهوال، وقطعوا البحار نشداناً لأمان ماعاد متوفراً ولا أليفاً في حرائق الوطن المستباح، ولم يرد الكثير من المثقفين السوريين أن يظلوا ضمن سور سوريا التي صارت سجناً كبيراً لا يطاق، فمن ظل في الداخل إما انكفأ على نفسه، واختار مكاناً نائياً لا يتفاعل فيه مع أحد، ومع ذلك العديد منهم لم يسلم من جوز نظام الإرهاب، ومن اختار التكشُّف والتواجد في منجز الثقافة، أعني الثقافة التي دعا إليها النظام، وأدارها بحسب مصلحته كان عليه التصفيق والنعيق، والانضمام لجبهة النظام في مقاتلة ” السوريين الإرهابيين”
ولا بد من القول إنه حتى قبل الثورة السورية لم يكن للمثقف الحق الحقيقي أي دور فاعل في المنظومة الثقافية، فالثقافة في سوريا شأنها شان باقي مناحي الحياة ظلت مأسورة وحبيسة لأن نظام القائد الأوحد خطط لينهي كل شيء حضاري في البلد، ومن ضمنها تحجيم الثقافة في صورة تأليه الفرد، والتغنِّي بمآثره، فعقود عديدة من الإرهاب الفكري والسياسي كفيلة لتدجين الناس، ومنهم المثقفون.
بكل حال من العبث وصف كل من ظل متشبثاً بتراب بلاده مبعثاً للآثام أو التعامل مع النظام أو تلميع صورته، لكن لم يكن أمام المثقف المتبقي غير الانطواء والصمت، وهذا كان الموت بعينه.
تحدثنا عن موجة هجرة المثقفين الحقيقيين السوريين، وكيف أنّهم اختاروا الرحيل وسط ذلك الركام الرهيب، ومن استقر في بلاد الاغتراب في فترة انطلاق الثورة السورية وما تلاها عانى الكثير من الصعوبات في موطنهم”المؤقت” الجديد، وصار يشعر أنه أصبح خارج التاريخ بحسب تعبير الباحث السوري جاد الكريم الجباعي، وإنه لم يعد فاعلاً كما كان يظن حين كان في الوطن ينتج المعرفة والثقافة والوعي المجتمعي بمشاكله، ويرسم خرائط طريق للخروج من الأزمات المتلاحقة التي كانت تجتاح المجتمع كل يوم.
فإضافة إلى حالة”التشيؤ” واللاجدوى واللاقيمة وعلى كل المستويات والتي عانى منها المثقف معاناة كبيرة كونه يرى، ويشعر أكثر مما يشعر به الآخرون، ويتفاعل أكثر، كان هناك أمر صدّع بنيان وعيه في المكان”الموحش ” الجديد، وهو عدم التناغم والاندماج والإحساس بالسلبية من حاله بأنه أمام مجتمع جديد، وثقافة جديدة، ولغات صعبة جديدة، وبالتالي الشعور بنفي الحاجة حتى للكتابة والتنظير مادام الوضع الجديد يداهمه في صباحه ومسائه.
في المغترب الروحي والفكري الجديد استسلم الكثير من المثقفين السوريين وآثر الصمت لانشغاله بكل معطيات وقسوة الحياة بجميع النواحي، وربما عدم إيجاد فرصة مناسبة للتفكير والتنظير والكتابة بسبب رغبة المجتمعات الجديدة في استغلال استضافته بتعليمه”قسرا” اللغة الجديدة والصعبة في غالبها، لتسهيل تفاعله في المجتمع وتسريع ” اندماجه” وإيجاد أي عمل له، وسيكون ذلك العمل خدمياً وربما مخلاً بمقامه الذي كان حين كان في بلده، والمهم بحسب قانون البلد الجديد إيجاد أي عمل له لوقف المساعدة المالية المسماة “السوسيال” عنه باعتباره كان عاطلاً عن العمل.
لكن هذا لا يعني أن الكل اختار سبيل الصمت، فثمة مثقفون سوريون ومن مختلف مشاربهم تجاوزا عقدة الحنين، وكفّوا عن البكاء، واللطم، ونجحوا في تخطي العقدة النفسية للمكان الجديد، بل وفّر لهم المكان الجديد جواً حلواً ورائقاً للكتابة والإبداع، واستغلوا وقت فراغهم بالتفرغ شبه التام للبحث والتأليف والكتابة، فكتبوا الروايات، ودوواين الشعر، ونشروا الأبحاث الهامة، واستطاعوا تحليل كبوة مجتمعهم بعيون ثاقبة أكثر ومتفحصة ودقيقة أكثر عبر ” التصادم” الخلاق مع الحضارة الجديدة، وساهموا في إقامة معارض الفن، وكتبوا سيناريوهات وأخرجوا أفلاماً هامة، بل أن الكثير من آثار وكتابات المثقفين السوريين فازت بمسابقات وجوائز مهمة على المستوى الدولي. 
ويمكن القول إن العديد منهم نجح في مغتربه الجديد أكثر حينما كان في الوطن، ورأينا تدفق نشر الكتب، وبعضها في أرقى دور النشر، ووزعت في المعارض الدولية.
بل وتفاعل المثقفون، وحضروا المؤتمرات، وتناغموا  بالفعل مع الوضع الجديد، وأصبحوا رسل معرفة وإثراء وثقافة.
وهنا يمكن الحديث عن المنجز الثقافي السوري في بلاد الاغتراب، وسيكون يوماً ما مثار دراسات مستقبلية لواقع ووجوه الثقافة السورية، هذا المنجز الذي تجاوز قصائد الحنين إلى الديار، بل بحث عن أزمة الوطن وكيفية التخلص من العقد التي “كبحت” وأعاقت تطور المجتمع، وأثار الأسئلة عن سبب استمرار عهود وعقود الاستبداد في مجتمع كان يفترض به أن يرسم ملامح التقدم، لا الانكفاء في الحالة القطيعية واللاجدوى لزمن طال واستطال.  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…