مظاهرات كوردستان بين التخريب والحقوق

دارا محمد حصري
حقّ التظاهر هو أحد حقوق الإنسان، الذي يظهر نتيجة عدد من حقوقه المعترف بها. إن حق حرية التجمّع قد يتضمّن حق التظاهر. لا يوجد أي آلية لحقوق الإنسان أو دستور يمنح الحق المطلق للتظاهر، إلا أن العديد من لوائح حقوق الإنسان والدساتير تنسب حق التظاهر إلى حرية التجمع أو حرية التنظيم وحرية الكلام، والتي ينصّ عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والدساتير في الكثير من الدول. 
طبعاً لا بدّ من الإشارة إلى الفرق بين التظاهر للمطالبة بالحقوق الشرعية وبين التخريب المتعمّد، والذي يقف وراءه جهات أو جهة محددة تخبّئ في ثناياها نيّة التخريب وخلق الفوضى وتأزيم أوضاع الناس وإيقاف أعمالهم.
وفي كوردستان كباقي بِقاع الأرض تحدث مظاهرات، وقد شاهدناها مراراً وتكراراً تنادي بالقضاء على الفساد والمحسوبية، الأمر الذي جميعنا نقف معه وبقناعة تامة، فالمظاهرات الأخيرة اللتي شهدتها مناطق مدينة السليمانية تم التحضير لها وشحن الشعب بالكراهية والحقد، اللذان ظهرا على العلن بوضح النهار. 
قام المعلمون في عدة مناطق بالسليمانية بتعطيل الدوام الرسمي، للخروج في مظاهرات واحتجاجات مطالبين بدفع مستحقاتهم من الرواتب، والتي هي المصدر الوحيد لحياتهم وتأمين احتياجاتهم،  سَبق ذلك شحنٌ وتأييد من رئيس البرلمان وعدة شخصيات سياسية وأحزاب (الجماعة الإسلامية، حركة التغيير)، ولكن بدأ التحريض من رئيس البرلمان الذي دعا قبيل انطلاق المظاهرات إلى إسقاط الحكومة. 
خرجت المظاهرات، ورفعوا عدة شعارات منها المطالبة بإسقاط الحكومة، ومنهم مَن كشف عن داعميه ومحرضيه الأساسيين في نداء لرئيس وزراء العراق حيدر العبادي بالتدخل والقدوم، فالعبادي نفسه الذي صرّح بعدم إمكانيته لدفع رواتب الموظفين وتأمين الميزانية، وسبقها بتقليص حصة الإقليم من الموازنة العراقية والذي لطالما حاول إنهاء الكيان السياسي الكوردي، هنا كان الأجدر الخروج للمطالبة بدفع المستحقات وعدم الاستمرار بقطع الميزانية من الذي هو السبب الرئيسي في استمرار الأزمة، والتي ورّثها له سلفه نوري المالكي. 
تطورت المظاهر المرافقة للمظاهرة، فكشفت عن الوجوه الحقيقية، ليخرج السلاح الناري بدءاً من مسدس وكلاشينكوف وصولاً إلى سلاح البي كي سي (BKC) المتوسط الحجم، وقام المتظاهرون بحرق مقرات للحزب الديمقراطي الكوردستاني ومقرات حزبية أخرى، ولم يكتفوا بذلك، بل أضرموا النار بمؤسسات الدولة منها دائرة المرور، وبناء القائمقامية، ودائرة المياه والكهرباء، وحتى وصلوا للمتحف وحرقوه، إضافة إلى حرق سيارات للمدنيين ومعاملات وحرق أرشيف كامل في كويه يمتد لأكثر من 300 سنة، في صورة واضحة مهمتها التخريب المتعمّد وخلق الفوضى. 
هنا لا بدّ من السؤال ببساطة: هل ما قاموا به ونتَج عنه من حالات إصابات وضحايا واستخدام الأسلحة والاعتداء بالحرق هي وسائل اعتيادية للمطالبة بالرواتب أم هو تخريب؟ 
الموظف والمعلم أقصى ما يحمله هو قلم أو ملفات، فكيف إذا ما حملوا الأسلحة وقادوا آليات قتالية؟
الذي لم يتم صرف راتبه وهو مصدر رزقه الوحيد من أين له بالكلاشينكوف والمال لشراء الذخيرة الحية وإطلاقها؟
المظاهرات برهنت على الممول الحقيقي من خلال الدعوات والتوقيت، ففي حين يقوم رئيس وزراء إقليم كوردستان بجولةٍ دولية في ألمانيا وقبلها فرنسا ويعقد الاجتماعات لكسر الحصار الخانق على الإقليم تخرج هكذا مظاهرات وتنادي بإسقاط الحكومة، الحكومة التي يريدها الجميع من الأوربيين والمجتمع الدولي حكومة قوية، ويدعمونها ويساندونها، الأمر الذي كررته عدة دول، ومنها ألمانيا، التي صرّحت بأنها مستمرة في دعمها للبيشمرگة.
إذاً من الحق أن نقول طالبتم بالرواتب وهذا حقكم الشرعي، ولكن لماذا التخريب المتعمّد؟ ولمصلحة مَن ما قمتم به في محاولة فاشلة لإحراج الحكومة أو محاولة إسقاطها؟ ثم ليتأكد الجميع أن ذاك الخفي أو تلك الجهات الخفية باتت معروفة لدى الجهات الحكومية، ومصيرهم سيكون عسيراً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…