توالد الـ جنيفات.. والدم السوري المهدور

عمر كوجري
تفاءل السوريون منذ انتعاش الإرادة الدولية بشأن المشكل السوري، وضرورة البحث عن حل يوقف سيول دماء السوريين منتصف العام 2012 وسميت الجولة الأولى للقاء النظام السوري والمعارضة بـ جنيف ون أو واحد، ورغم إيجابية ما توصل إليه المجتمع الدولي في حقن الدماء إلا أن أوساطاً واسعة من السوريين لم يعزفوا على وتر التفاؤل، وتوقّعوا أن جنيف واحد سيتوالد إلى أرقام متناسلة قادمة، وهذا بالفعل ما حصل.
ماتمّ التوافق عليه وقتئذ كان إلى جانب مصلحة الشعب السوري المكتوي بنار حرب قذرة يمارسها النظام ضده بلا رحمة، ويرى السوري غير المؤيد لجرائم النظام هو عدو بالضرورة. وكان النظام وقتها يعاني الإنهاك، ولو ليس الشديد، فلم تكن روسيا بطيرانها الحربي المُتطوّر، ولا الميليشيات والمرتزقة من حزب الله اللبناني، والميليشيات الطائفية العراقية إلى الحرس الثوري الإيراني إلى المرتزقة الأفغان والباكستانيين قد دخلت على خط النار بهذا الشّكل الذي نراه الآن في الخارطة السورية.
كان من أهم بنود جنيف1 :”إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية. وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية. ويمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى”
الآن، وصل السوريون ومعهم المجتمع الدولي إلى جنيف الرقم 8 والنظام بدعم ميلشياوي وروسي وإيراني منتعشٌ بنصرٍ موهومٍ على ” شعبه” استفاد من تشرذم وولاءات المعارضة المسلحة، وتحويل الثورة من وجهها المشرق إلى النفق المظلم، الآن لا يبدو النظام مهتماً بطمر طمي الحرب، وحتى دول كثيرة لا تولي اهتماماً بطيّ هذه الصفحة المؤلمة في حياة السوريين بمختلف شرائحهم وإثنياتهم العرقية والدينية، ولا يبدو أن وقف عجلة العنف ستبدو متوقفة في القريب، وما الخاسر في هذه الجلبة الدولية الكبرى إلا الشعب السوري. 
في جنيف 8 لم يلتزم وفد النظام السوري حتى بالعرف الدبلوماسي، وحضر في اليوم الثاني من بدء الاجتماعات ما يعني أن النظام لم، ولن يحضر في أي محفل لأجل سوريا إلا للّعب بالوقت، وإعادة تدوير المشكل السوري بحيث يكسب مزيداً من الوقت للإجهاز على ما تبقّى من الناس الغلابة، وتحقيق النصر على ” الشعب السوري الإرهابي”.
للأسف المجتمع الدولي ضليع بأحابيل النظام، لكنّه وعن سبق ترصّد يغضّ طرفَه عنه، إلى أن تغدو سوريا مكاناً موحشاً غير قابل لعيش البشر.
صحيفة «كوردستان» العدد 573 – زاوية «العدسة»

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…