أن تكون كُردياً منذ اليوم

ابراهيم محمود
لم تُتَح لي الفرصة لأن أكتب ولو كلمة واحدة خلال اليومين الماضيين، لانشغالي كغيري بما يجري في إقليم كُردستان اللاعراق، إذ في صلة الرحم الجغرافية شيء من المحبة، لهذا كان هذا التعبير، لأقتنص فرصة لإيداع بضع كلمات بياضَ الالكترون، وكلّي تفُّجع بطعنة الكردي للكردي وفي جبهة تفقد جبهويتها من خلال ثغرة واحدة بارعة الإيلام، ليكون إيذاء الكردي للكردي تذكيراً بتاريخ طويل، وهو أن وراء كل هزيمة كردية أكثر من فاعل كردي داخلي، كما هو المعروف بـ” دود الخل منّو فيه:
Kurmê darê ji darê ye، مع الاعتراف بأن ثمة دوداً- أحياناً – ينخر في قلب الشجرة ويهددها بالسقوط.
بكيت هذا الصباح، وفي المكتب الجامعي الذي أعمل فيه، وعجزت عن الكتابة، ليس لأن عدواً ومن يدعم العدو، ومن يدعم داعم العدو في محيط كركوك المقاوِمة، وتل الورد وطوزخورماتو وغيرها، وإنما لأن عظمة من عظام الرقبة الكردية استعجلت في سفك دماء بيشمركة أبطال كرد وفي غفلة صدمة منهم، ويسَّرت للعدو ومن وراءه إمكان التقدم والطعن في الكردي الذاهل عما يجري، وكان على يقين أن كردي اليوم لن يكون ككردي الأمس، سوى أن الصادم لجموع الكرد هو استمرار المر، هو أن جرح الكردي الملتهب على يد الكردي لم يبرأ تاريخياً، ويظهر أنه متنام .
أعيتني الحيلة في الكتابة، ونادراً ما أستشعر عجزاً ويأساً وبلبلة وعي كمثل هذا الذي عايشت سمعاً وبصراً روحاً.
جرح فاغر فاه وينز دماً وقيحاً ووجعاً إن سمّيتَ الفاعلَ الكردي، وإن سمّيت العدو عن بعد يواظب على الإيلام، إن تجاهلته، موهماً نفسك أن ليس هناك إلا عدو واحد، بلغة لم تعتدها، ووجه لم تألفه في وسطك، لأنك في قرارة نفسه تعلم علم اليقين أن بقاء الجرح الملتهب والألم المزمن في متن الروح على حاله ويتملك عليك مشاعرك، لا صلة مباشرة له بالعدو البعيد عنك نسبياً، وإنما من تنتمي أنت وإياه إلى أرومة الألم والأمل الواحدة نفسها.
في الكتابة عن الكردي، ومرة أخرى وأخرى وأخرى.. وبدءاً آخر من يوم مشئوم كهذا بليله المشئوم ” 16-10/ 2017 “، ينقسم الكلام على نفسه مضاعفاً، وينشطر العلم الواحد نفسه، وترتد اللغة إلى شبه العويل تفجعاً بالجاري، والذاكرة تتلبك في داخلها، كما لو أن الكردي أكثر أرومات متصارعة فيما بينها، في منطقة ألِفته وعلَّمت الآخرين: الأعداء بعداواتها اللامشرّفة .
يقول الكردي الكركوكي: كركوك تتنفس داخلنا، ولن تسقط ونحن قيام، وكل جهة كردية تحتضن كركوك، وفي الجهات اللاكردية، ثمة من يُسمّي كركوك مدركاً إن النيل منها نيل من عموم الكرد، وفي أبعد الأباعد ثمة طغاة الشعوب المتاجرون بها بالجملة وبالمفرّق حسب الحالة والظرف، ينتشون بسوق معمّدوها في عنفها الدموي هم، من شرق أميركا مبادىء ويلسن الأربعة عشر في الإنسانية، إلى غرب بيك بينغ الانكليزي ذي الدم البارد الذي يقدّر مدى حرارة دم الكردي قبل غيره له، إلى جنوب باريس ماكرون الذي ربما يعتبر النيل من شعب كامل خطأ عابراً، وحتى شرق ميركل التي تحرص على إرادة القوة، وليس الحقيقة، فليس هناك إلا جهة يبتكرها الكردي لنفسه، أن يكون الكردي الكردي منذ اليوم، ألا يدخل معركة بناء على وعود المتاجرين بشعار وحدة الأمم، أن يتعرف إلى الكردي داخله أكثر من ذي قبل، فلا خير إلا في كرديه إن استوعبه أو تنبَّه إليه، أو أخذ به على حقيقته، ليعيش ألماً على مقاسه، وخطراً على مقاسه،  لئلا يتمادى في تفخيم الكردي فيه خشية سقوط مميت، ويكف عن فتنة : Em kurdin ser bilindin ، فما أكثر ميتاتنا، ما أكثر سقطاتنا، ما أكثر فجائعنا، ما أكثر ضحايانا، وما أقل تبصّرنا بمباغتات فتنة كهذه !
دهوك، في 16-10/ 2017 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…