تركيا والأمن القومي التركي

جان كورد 
(للدب 7 قصص كلها حول الخوخ – مثل شعبي كوردي)
في لقاءٍ تلفزيوني قبل أيامٍ قلائل، اعترف خبير تركي في شؤون السياسات الاستراتيجية أن ليس لحكومة بلاده مصلحة قومية في انتشار قواتها العسكرية في محافظة ادلب السورية التي تقع على مقربة من حدودها الجنوبية، إلاّ أن تركيا تدفع بقواتها إلى ادلب بهدف المبادلة قريباً بالقوات الروسية، لأن هدف تركيا من هذه التحركات قبل القتال ضد هيئة أحرار الشام (جبهة النصرة سابقاً)، وهي الذريعة الرسمية للحلف الثلاثي (روسيا-ايران-تركيا) هو الدخول إلى مدينة (عفرين) الكوردية الصغيرة (حسب قول الخبير) لتوسيع الجهود التركية من أجل منع قيام أي كيان كوردي في شمال سوريا، على غرار ما قامت به الحكومة التركية في محور (جرابلس- الباب) في غرب نهر الفرات. 
ومن البديهي أن تسعى تركيا للقيام بعمليات عسكرية أخرى في منطقة الجزيرة بهدف القضاء على قوات سوريا الديموقراطية التي يشكّل وحدات حماية الشعب “الكوردية” عمودها الفقري، والتي تعمل من أجل “فيدرالية شمال سوريا” التي يخوّف الأتراك من أن تتفق عليها روسيا مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولم يكتفِ الخبير التركي بالإفصاح عن النوايا التركية بصدد تدخلها في ادلب، وإنما قال ما معناه أن على تركيا وإيران والعراق وسوريا التعاون معاً حتى يتمكنوا من القضاء على “الإرهاب”، ويقصد بكلمة الإرهاب (الكورد)، إذ ما من قاسم مشترك لهذه الدول سوى (الكورد وكوردستان)، ويتناسى الأتراك هنا أن حليفهم الأكبر في حلف الناتو  يعتبر إيران ذاتها “إرهابية”، ووصفها الرئيس الأمريكي بالدولة المارقة والراعية للإرهاب، كما يتناسى أن رئيسهم أردوغان كان قد اعتبر نظام الأسد إجرامياً وقاتلاً للشعب السوري وفاقداً للشرعية، فهل منحه السيد أردوغان الشرعية من جديد؟ وكيف سيتعاون الأتراك مع سوريا الأسد التي دخل الجيش أراضيها حتى من دون أخذ الإذن من حكومتها بذريعة أن نظام دمشق “إرهابي”.
أما في العراق، حيث قامت الحكومة الكوردية باستفتاء ديموقراطي نزيه في إقليم جنوب كوردستان، عما إذا كان الشعب في الاقليم يريدون الاستقلال أم البقاء في إطار الدولة العراقية الاتحادية، ووجدوا أن الغالبية الساحقة من الذين أدلوا بأصواتهم كانت مع الاستقلال. فإن هذا دفع بالحكومة التركية إلى التحدث المستمر عن “وحدة أراضي العراق” والأتراك على ألسنة نوابهم المتطرفين يعتبرون أجزاءً من العراق وكوردستان أراضي “تركية”، ومنها مدينتا “كركوك” و”الموصل”،  أليس هذا تناقضاً بين وحدة الأراضي العراقية والمطالبة بمدن عراقية وكوردستانية،  كما تتحدث السياسة التركية عن ضرورة الالتزام ب”الدستور العراقي” بصدد استفتاء كوردستان، في حين أنها سكتت لسنواتٍ عديدة بصدد عدم تنفيذ الحكومة العراقية المادة 140 من ذات الدستور، كما أن تركيا ظلت ترفض سحب بعض وحداتها العسكرية من أرض العراق، رغم إلحاح وإصرار الحكومة العراقية التي تقول بأن هذا الوجود التركي يتعارض مع الدستور العراقي. هذه هي واجهة المزاعم التركية، إلاّ أن ما تريده في الحقيقة هو منع الشعب الكوردي في الجزء الجنوبي من وطنه من التمتّع بحقه المنصوص عليه دولياً بموجب مبادئ الأمم المتحدة، أي “حق تقرير المصير للشعوب”، وبسبب فضح هذه المزاعم من قبل أطراف عديدة في المنطقة، فإن الحكومة التركية مضطرة لأن تتذرّع بأن قيام دولة كوردبة، حتى على سطح المريخ يمس “الأمن القومي التركي!” فماذا وراء الأكمة يا حكومة “حزب العدالة والتنمية” الإسلامي؟ أفلا يحق لأمةٍ تزيد عن الأربعين مليوناً من البشر التمتّع بحقها في تقرير المصير لمجرّد أن تركيا خائفة ومرعوبة من هذه القومية التي خاضت إلى جانب الأتراك كل حروبها في تاريخ الدولة العثمانية؟ أليس لهذه الأمة أي حق، حتى خارج تركيا؟ فهل تظنون أن العالم جاهلٌ بما تمارسونه من سياسة عدوانية تجاهها؟ 
الأمن القومي التركي لم يتأثر في شيء، خلال السنوات الطويلة منذ سيطرة الكورد على معظم أرضهم في جنوب كوردستان، فشرعت شركاتكم في الاستثمار الواسع النطاق في الإقليم، وصارت طائراتكم المدنية تهبط في مطارات كوردستان وتطير منها وعلم كوردستان يرفرف فوق تلك المطارات، من دون أن يمس ذلك “الأمن القومي العراقي” أو “الكوردستاني” أو “التركي”، والآن، حين يسعى الشعب الكوردي لإتمام سيادته على أرضه وخيرات بلاده التي ستستفيد منها شركاتكم أيضاً، تزعمون بأن رئيس الكورد الشجاع، مسعود البارزاني “خائن”، وهو الذي كنتم تستقبلون رئيس وزرائه وعلم كوردستان والأمة الكوردية جمعاء بجانبه أثناء لقاءاته مع كبار رجالات دولتكم في عاصمتكم التي ترعى أمنكم القومي، فأي خيانةٍ هذه طالما لم يكن الاستفتاء الكوردي في بلادكم؟ 
بالتأكيد، ستعلنون زعماء الكورد في كل مكان “خونة” لأنكم تعلمون علم اليقين بأن استقلال الكورد في جنوب كوردستان، والفيدرالية في غربها، ستحرّك ملايين الكورد في شمال كوردستان لتحرير أنفسهم من عدوانكم وسلطانكم، ولذلك أنتم قلقون، مرتبكون، وترسمون كل يوم خطاً أحمر، إلا أن العالم الذي عزلتكم سياساتكم عنه، يعلم أنكم ما كنتم تصلون للحكم دون أصوات المواطنين الكورد الانتخابية، فهل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان، أم أنكم تفقدون القدرة على البصر بمجرّد أي خطوةٍ يقدم عليها  شعبنا في طريقه إلى الحرية والحياة الكريمة. وإذا كنتم تؤمنون بأن “الأمن القومي التركي” هو كل شيء، فاعلموا أن الكورد يفكرون بجدية في “الأمن القومي الكوردي” أيضاً، وهذا ما سيثير رياحاً قوية لن تصمدوا في وجهها.
‏13‏ تشرين الأول‏، 2017  
kurdaxi@live.com
 facebook: kurdaxi1 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…