الكُرد بين القملة والعقرب

ابراهيم محمود
بقدر ما يشعر الكرد أنهم على أكثر من شفة ولسان، أي محل اهتمام محلي، إقليمي وعالمي، خصوصاً هذه الأيام، بقدر ما يعيشون مخاضاً، ربما لا أعسر منه منذ حمَّى ” مؤتمر السلام، باريس 1919 ” والمناخات الملبَّدة لـ” سيفر 1920 “، والعاصفة القاصفة لـ” لوزان 1923 “، وهم موعودون ذاتياً بمشروع دولة كردية ولو في ” طرف ” كردستاني راهناً، حيث ” لمعت قملتهم Spiya wan belloq bûye ” كما يقول المثل الكردي، إلا أنهم يواجهون تحدياً ذاتياً فيما بينهم وتجاه الغير، التحدي في أن يتنبهوا إلى خطاباتهم الموجهة إلى الآخرين، لئلا يُشعَر أنهم يجسدون عقرباً منذ الآن، قبل معرفة المولود ونوعه وشكله .
بين القملة التي تُرى وهي أعلى الرأس، والعقرب الذي يتخوَّف منه، ثمة الانتشاء النفسي التاريخيّ المصدر، مقابل الغفلة أو شبهها عما يمكن أن يحصل أو ما يجب أن ينتبهوا إليه، أي أن يعرفوا كيف يشيرون إلى كونهم من بين ضحايا التاريخ الكبرى، ليتعظوا من درسهم الفظيع، في عدم التعدّي على الذين سيكونون ضمن ” حدود ” دولتهم المرتقبة .
لعله التحدي الأكبر، والذي لا تكفي رتوش الكلام، أو التسويفات ” سوف نكون كذا- سوف نعمل كذا- سوف لن نكون كغيرنا…الخ ” لطمأنة الاثنيات الأخرى، وهم يصبحون ” مواطنين ” في دولة تحمل اسمهم، إنما شركاء بنسبة ما، على مستوى الفعل قبل القول. ألا يدفعهم غرور رؤية القملة إلى نسيان العقرب الذي ما أن يدفأ حتى يلسع صاحبه وهو في ” عبّه “، كما هو المألوف، وربما كان الكرد فيما يعرفونه عن بعضهم بعضهم، وفيما هم عليه، حيث لا يتمنى كثير من شعوب الأرض، وهم في وضع بائس بالمقابل في أن يكونوا مثلهم، جرّاء السمعة غير الممدوحة للكرد تاريخياً بالنسبة لنزاعاتهم وصراعاتهم الداخلية حتى داخل البيت الواحد نفسه، وما يتطلب ذلك من بذل جهود مضاعفة لضبط الصورة المطلوبة، والخروج إلى أنوار التاريخ المعاصر، أن يعرفوا التحديات المصيرية لهم قبل دخولهم حدود الدولة الموعودة، لئلا يعيشوا ” فضيحة بجلاجل ” فيما بينهم، وأن يقدّموا للذين يعرَفون بصور شتى على أنهم خصوم أو حتى أعداء تاريخيون لهم، أو بينهم حساسيات تاريخية، وحسابات متعددة الأبعاد، ما يفصح عن وضع مغاير، لبعضهم بعضاً، ومن ثم للآخرين، كون تعريف الذات للآخر، يقوم على دعامة فكرية ونفسية مرئية، من خلال علاقات تكاملية، وما يعنيه ذلك من التحول النوعي تاريخياً، ولئلا يشعر الآخرون أن بين جنبيهم عقرباً تاريخياً، جرى تضخيمه، وفيه بعض من الصواب، ليجري التخلص منه، على أرض الواقع، بعيداً عن خطابات شعبوية أو استفزازية أو تمجيد تاريخ شعاراتياً، أو عدوى الشعارات المتوارثة.
بالطريقة هذه ، ربما ينتظر التاريخ منهم ما هو أكثر من القفز على هاوية عميقة ناريخية ومهلكة إن لم تؤخَذ بكامل مخاطرها بعين الاعتبار، ما يتطلب أكثر من خاصية ضبط النفس ولم شمل القوى النفسية هذه، ولفت أنظار الآخرين إلى أن الآتي مفارق للماضي بأكثر من معنى، وأنهم لن يعودوا يتكلمون حتى لبعضهم بعضاً بلغة الدم، أو الضحية، ولحساب فئة دون أخرى، وإنما المستقبل الذي يعلو صرحه سلمياً.
ربما من حق الكرد، ومن يعنون بأمرهم هنا، في إقليم كردستان العراق، أن يعبّروا عن فرح مرتبط بحلم أو ما يكون حلماً رغم مشروعيته، وهم بحشودهم الملايينية، سوى أن هذا الفرح المتحرك والجليّ على ” حد ” السكين، يجب أن يشكل عبئاً ثقيلاً بحيث يقطع السكين الوريد، وحينها لا شيء يوقف نزف الدم.
وهذا لا يتوقف على كرد جهة معينة، وإنما أنَّى كانوا، وهم يظهِرون للعالم أنهم جديرون بأن يكونوا أصحاب كيان سياسي، بقدر ما أنهم جادّون في مسعاهم هذا، ليكونوا ديمقرطيين فيما بينهم، ومع الآخرين، أي أن يعرفوا نفسهم تمام المعرفة، لئلا يتحرك العقرب ويلسعهم قبل أيٍّ كان، وحينها، سيخرجون من التاريخ إلى أجل غير مسمى.
دهوك
في 13-9/2017 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…