أهل جبل الكورد لا يريدون سوى السلام

جان كورد
 منطقة جبل الكورد (كورداغ) التي تبعد عن مدينة حلب السورية المدمرة ما لا يزيد عن 60 كيلو متراً، أصبحت الآن بين فكي كماشة، من ناحية الشرق، حيث منطقة إعزاز التي تتواجد فيها قوات تركية ضخمة مع فصائل من المعارضة السورية التي تأتمر بعضها بأوامر أنقره مباشرةً، ومن ناحية الجنوب الغربي، حيث فصائل تعتبر نفسها من الجيش السوري الحر، وسابقاً كان ولا يزال الجيش التركي على الحدود الشمالية والغربية من المنطقة، أي أن المنفذ الوحيد لمن يريد الدفاع عنها بالسلاح هي المساحة الضيقة التي تتحرك عليها قوات موالية للنظام ومرتزقة تابعين لإيران وحزب الله اللبناني بالقرب من هذه المنطقة. 
في مثل هذا الوضع غير الملائم للقتال في وجه الجيش التركي وأنصاره أو أتباعه من فصائل المعارضة السورية، يجد العقلاء من أبناء المنطقة أن العمل من أجل بقاء المنطقة بعيدة عن التدمير والتقتيل والتهجير، واستمرار الأمن الذي تعيشه نسبياً أهم مطلب للحركة الوطنية الكوردية اليوم، ولكثيرين من الناشطين الوطنيين والديموقراطيين الذي لا يريدون لمركز المنطقة، أي مدينة (عفرين)، وقراها الجميلة، أن تتحول إلى ساحة معارك مدمرة مثل مدينة (كوباني) الكوردية المنكوبة، وأعتقد أن المطالبة بإبعاد شرور والحرب والدمار عن المنطقة هو عين العقل، وعلى كافة فصائل الحركة السعي من أجل إبعاد النار عن الحقل الكورداغي المنتج بسخاء لكل المواطنين من سكانها ومن القادمين إليها هرباً من جحيم المدن المشتعلة، دون استثناء أو إقصاء، فظل واحةً آمنة إلى حدٍ بعيد طوال سنوات الحرب الرهيبة التي قضت على الأخضر واليابس في سوريا.
إن ممارسة سياسة العجرفة من قبل بعض من يظنون أنهم لا يُقهرون لا تضر في النهاية بهم وحدهم وإنما بكل شعبنا الكوردي، كما أن سياسة “دع المياه تجري كما تشاء” قد أثبتت فشلها منذ زمنٍ طول، فقد أصبحت هذه السياسة قاعاً صفصفا وأرضاً قاحلة أمام أعين المراقبين الموضوعيين والسياسيين الواقعيين.
نتذكر جيداً كيف استطاع تنظيم الدولة، المعروف باسم (داعش) من السيطرة بسرعةٍ فائقة على كل مساحة منطقة (كوباني)، إن استبعدنا فكرة “استلام وتسليم”، ما عدا المدينة التي سجلت اسمها في التاريخ كمدينة “مقاومة باسلة”، وقد يقول بعض الذين ليست لهم خبرات عسكرية جيدة بأن منطقة (جبل الكورد) مختلفة من حيث الجبال والتضاريس عن منطقة (كوباني) ويمكن الدفاع عنها بشكل أفضل، ولكن هذا كان ممكناً في عصر سابق، وليس في عصر الصواريخ التي يتم إطلاقها بدقة متناهية، والطائرات الحديثة المزوّدة بأحسن التقنيات الحربية، وعصر شبكات التجسس والرصد الخطيرة، ثم إن منطقة (جبل الكورد) لا تملك إلاّ بالكاد قوت يومها من حبوب ومواد غذائية ونفط وغاز، وزين الزيتون الشهير في المنطقة ليس كل شيء، فإذا تم حصار المنطقة اقتصادياً فالشعب الذي يدعم   المقاتلين سيتعرّض إلى كارثة مما يدفعه إلى اتخاذ موقف لن تُحمد عقباه تجاه من يعتبرون أنفسهم ثواراً. 
ومن ناحيةٍ أخرى، فإن مسلسل التوافقات الإقليمية والدولية على حساب الشعبين العربي والكوردي وسائر الأقليات السورية، القومية والدينية، لا تسمح للكورد بمزيد من المناورات، فها هي صديقتهم الداعمة، الولايات المتحدة الأمريكية، التي بالتأكيد لم تتدخّل في الأحداث السورية إلاّ من أجل مصالحها الاستراتيجية في المنطقة ولأمنها القومي، قد وعدت تركيا بسحب سلاحها من (قسد) بعد تحرير مدينة الرقة من قبضة الإرهابيين، فالمجال الممنوح لتحرّك الكورد على الساحة السورية ليس مفتوحاً كما يظن بعض المغامرين، وبخاصةٍ فإن الذين لهم علاقات ميدانية مع جيش النظام و شبيحته وأجهزته الأمنية وحلفائه لن يتمكنوا من إعادة وضع منطقة (جبل الكورد)  في أيدي النظام تماماً، مهما أوتوا من قوّة وجبروت، لأن شعبنا لن يقبل ذلك أبداً. 
لذا، فمن الواقعية والعقلانية، التفكير جدياً في النتائج الوخيمة في حال قيام الجيش التركي بغزو عسكري لمنطقة (جبل الكورد)، وهو غزو لن يحدث دون موافقة أمريكية – روسية، وبدون واجهة براقة، هي “دعم كفاح الشعب السوري ضد نظام الأسد”، وبدون ذريعة، هي “اعتداءات الإرهابيين الكورد، والمقصود هنا: حزب الاتحاد الديموقراطي، على الجيش السوري الحر الذي يتحرّك وفق احداثيات أنقره مع الأسف”، وقد تم التحضير لإنجاح الفكرة من خلال “مطالبة فصائل من الجيش الحر بتسليم 11 قرية في محافظة حلب من قبل حزب الاتحاد الديموقراطي له”، فالهدف صار معروفاً، ألا وهو منع قيام أي كيان، مهما كان متواضعاً، لشعبنا على جزءٍ من أرض وطنه، والاتهام موجود “حزب الاتحاد الديموقراطي فصيل من فصائل حزب العمال الكوردستاني المصنّف إرهابياً والذي يحارب تركيا الباحثة عن أمنها القومي”، والسبب المباشر موجود، ألا وهو إلحاح الجيش السوري الحر لفرض نفسه على المنطقة الكوردية، بعد فشله في العديد من المناطق العربية، إضافةً إلى التوافقات السرية والعلنية مع سائر الأطراف، حتى مع نظام الأسد الدموي، لمنع أي تطورٍ إيجابي في مجال القضية القومية الكوردية في سوريا. 
إن من الحكمة أن يمارس الكورد عامةً سياسة موحدة ومنطقية ودبلوماسية، واستباقية حيال ما قد يحدث في هذا المجال، قبل أن تتعرّض (عفرين) إلى ما تعرّضت له (كوباني) من دمار وخراب، نتيجة تهور سياسي لبعض من يظنون أنهم مستمرون هكذا حتى “تحرير سوريا!” وإعادتها إلى حضن النظام، ومن ثم التفاوض معه على حقوق “الأمة الفانتازية”، مستعينين في التفاوض بالحليف الأقوى (إيران) الذي لا تعدم حكومته أسبوعياً من مناضلي كوردستان، سوى عدد قليل لا يتجاوز العشرة من شبابنا. 
أما إذا كان ثمة مفاوضات واتفاق مع النظام لا ندري عنه شيئاً، فلماذا لا يعلنونه للشعب الكوردي ولكل السوريين؟
‏30‏ حزيران‏، 2017
kurdaxi@live.com                   facebook: Cankurd1

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…