اكرم حسين
تعكس «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، الموقعة في السابع من آب/أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، اتجاهاً نحو بناء ترتيبات إقليمية جديدة تقوم على التعاون الدفاعي وتنسيق المصالح . حيث تجمع الاتفاقية بين ثقل اقتصادي ومالي، وقدرات عسكرية وصناعية، وخبرة استراتيجية، بما يمنحها أبعاداً تتجاوز المجال العسكري إلى السياسة والاقتصاد والتجارة ، ومع تأكيد أطرافها أنها دفاعية ولا تستهدف دولة بعينها، فإن وزنها الفعلي سيُقاس بقدرتها على تحويل التفاهم السياسي إلى آليات دائمة للتنسيق والعمل المشترك.
وتزداد أهمية الاتفاقية بسبب موقع الدول الثلاث. فهي تصل الخليج بالأناضول وجنوب آسيا، وتضع الأمن إلى جانب الطاقة والتجارة والاستثمار في إطار واحد ، وهذا الترابط قد يخلق مصالح متبادلة تدفع نحو تنسيق المواقف في أزمات المنطقة، من دون أن يعني بالضرورة قيام محور مغلق أو جبهة مواجهة. لذلك، ستظل طبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية، ومدى التزام الاتفاقية بطابعها الدفاعي، من أهم العوامل التي ستحدد مسارها.
تركيا: هامش أوسع للحركة
تكمن أهمية الاتفاقية ، بالنسبة إلى تركيا ، في توفير إطار إقليمي إضافي يوسع خياراتها الاستراتيجية. فأنقرة، بوصفها عضواً في حلف شمال الأطلسي، تستطيع من خلال هذه الاتفاقية تعزيز علاقاتها مع الخليج وجنوب آسيا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن التزاماتها وتحالفاتها القائمة ، ويمنحها هذا الوضع قدرة أكبر على تنويع الشراكات وربط الاعتبارات الأمنية بالمصالح الاقتصادية والدبلوماسية.
ويبرز الجانب الصناعي بوصفه أحد المجالات القابلة للتطور. فالتعاون بين القدرات الدفاعية التركية والإمكانات الاستثمارية السعودية والخبرة العسكرية الباكستانية يمكن أن يفتح المجال أمام مشاريع مشتركة في التصنيع والتدريب والبحث والتطوير، ويمنح العلاقات الثلاثية قاعدة اقتصادية أكثر استدامة. كما قد يؤدي ذلك إلى زيادة حضور الشركات التركية في أسواق الخليج، وإلى تطوير سلاسل إنتاج وتمويل مرتبطة بالصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
أما سياسياً، فقد تتيح لأنقرة مساحة أوسع للتأثير في ملفات الشرق الأوسط، وتدعم قدرتها على الجمع بين أدوات القوة والتعاون الاقتصادي والدبلوماسي.
سوريا: انعكاسات مباشرة
تتأثر سوريا بهذه المعادلة بحكم موقعها الجغرافي وتشابك مصالحها الأمنية والاقتصادية مع تركيا، وبسبب الدور السعودي المتزايد في دعم الاستقرار وإعادة الإعمار، ومن هنا يمكن أن تنعكس الاتفاقية على دمشق عبر مسارين متلازمين: أمني واقتصادي.
ففي المجال الأمني، قد تدفع الشراكة إلى تعزيز التنسيق بشأن أمن الحدود ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، وهو ما يتطلب تفاهمات واضحة بين دمشق وأنقرة واحترام السيادة السورية. وفي المجال الاقتصادي، يمكن للتقارب السعودي–التركي أن يُهيئ فُرصاً للاستثمار في البنية التحتية والطاقة والنقل والإنتاج، خصوصاً إذا توافرت بيئة سياسية وقانونية مستقرة تسمح بتدفق رؤوس الأموال وعودة النشاط التجاري.
لكن هذه الفرص لا تتحول تلقائياً إلى نتائج. فاستقرار سوريا يحتاج إلى مؤسسات دولة فاعلة، وتسوية سياسية شاملة، وعلاقات متوازنة مع الجوار. لذلك، فإن أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية مرتبطة بالاتفاقية ستكون أكثر فاعلية إذا جاءت في إطار دعم الاستقرار السوري، والحل السياسي ، وليست كوسيلة لفرض ترتيبات خارجية على دمشق.
باكستان: بُعد استراتيجي
في حين ، تمنح الاتفاقية باكستان، مجالاً لتعزيز حضورها في منطقة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، وتطوير صلاتها الدفاعية والاقتصادية مع دولتين تتمتعان بثقل إقليمي. كما يمكن أن تستفيد من التعاون في التكنولوجيا والتدريب والصناعات الدفاعية، ومن توسيع علاقاتها الاستثمارية والتجارية مع السعودية وتركيا.
ولا تقتصر أهمية هذا المسار على البعد العسكري ، إذ يمكن لإسلام آباد أن تُوظّف علاقاتها التاريخية مع الخليج وخبرتها الأمنية في بناء تعاون متعدد المجالات، شرط أن تحافظ على توازن مصالح أطرافها وألا تتحول إلى أداة استقطاب بين القوى الإقليمية والدولية.
في النهاية ، تكمن أهمية «اتفاقية مكة» في أنها تضع قدرات ثلاث دول إسلامية منفصلة داخل شبكة واحدة من المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية ، ولذلك سيكون تأثيرها الحقيقي مرتبطاً بقدرة هذه الدول على تحويل هذه الاتفاقية إلى مؤسسات ومشاريع واتفاقات قابلة للاستمرار.
إن أهم ما يترتب على هذا التحول هو احتمال تشكّل بيئة إقليمية جديدة تتيح فرصاً للاستقرار وإعادة الإعمار وتطوير العلاقات الاقتصادية، في سوريا ، في الوقت الذي يتعين على دمشق إدارة علاقاتها الخارجية على أساس السيادة والمصلحة الوطنية والتوازن ،وقد تُشكّل الاتفاقية نموذجاً لتعاون متعدد المجالات، على صعيد الإقليم ككل ، إذا نجحت في تجنب المحاور والصدام ، وإنتاج الاستقرار والتنمية المستدامة .





