قيامة أردوغان كتبه

رودوس خليل
تعرض بعض القنوات العربية في هذه الأيام المسلسل التركي التاريخي قيامة أرطغر والد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية في القرن 13 الميلادي ولكن نتحدث هنا عن قيامة رجي طيب أردوغان وما ينوي فعله وتغير وجه الدولة التركية جزرياً والتي حافظت عليه منذ تأسيسها عام 1923.
انتهى الاستفتاء على التغيرات الدستورية في تركيا لصالح معسكر القبول بنعم ولو بنسبة ضئيلة وجاءت ردود الفعل متباينة من قبل المجتمع الدولي من حيث الترحيب بالنتيجة او الخوف من انزلاق تركية إلى حكم الرجل الأوحد.
فهل سينبثق عن هذه النتيجة التاريخية تركيا ديمقراطية مستقرة؟
للإجابة على هذا السؤال لابد أن نقف على حجم التأييد لبعض الدول الغربية الهامة لهذه التعديلات والعودة إلى الوراء قليلاً وبالتحديد عام 1993 عندما حصل نفس الشيء في روسيا تحت حكم الرئيس بوريس يلتسين حيث أمر بقصف مقر البرلمان القديم للاتحاد السوفييتي بعشرة دبابات لسحق بقايا التمرد القديم والذي كان من مخلفات الاتحاد السوفييتي وتريد العودة من جديد للحكم.
كانت الصحافة الغربية تؤيد إجراءات الرئيس يلتسين ولكن ماذا كانت النتيجة؟
لقد حصلوا على نظام رئاسي واسع السلطات إلى حد الديكتاتورية وليأتي بعده فلاديمير بوتين ويوقع على أمر بعدم الملاحقة القانونية ليلتسين إلى وفاته ولو قارنا هذه الحكاية بالمحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا نرى بأن جميع الاتراك ومن كل الأحزاب أتوا لحماية مبنى البرلمان التركي من هجوم الانقلابين من المؤسسة العسكرية والدولة العميقة ووقفوا صفاً واحداً خلف أردوغان هذه المؤسسة والتي يحاول أردوغان اضعافها الآن.
أعتقد أن الدول الأوربية كانت متسرعة وتجهل النوايا الحقيقية لأردوغان فالرئيس التركي الذي كبر وترعرع في أشهر الأحياء الفقيرة في إسطنبول وهو حي سليمان باشا شعر بالفقراء من حوله وخاطبهم ودار في الأرياف والمدن الفقيرة وتقرب من الناس وكسب ودهم وتأييدهم على عكس ما فعله السياسيين الذين سبقوه عندما وصلوا إلى السلطة وأداروا ظهورهم للشعب حتى كمال أتاتورك نفسه قام بنفس الشيء فعندما حاول هيكلة الدولة على أسس الهيكلة الغربية برزت الطبقات المجتمعية والسياسيين في المدن الكبيرة كإسطنبول وأنقرة وتهميش وفقر واسع والعزوف عن العمل السياسي في الأقاليم الأخرة لهذا السبب نجد أن نتيجة الاستفتاء جاءت بنعم في الأقاليم البعيدة والمهمشة وجاءت بلا في المدن الكبيرة كإسطنبول وأنقرة وأزمير .
الرئيس التركي ماض في مشروعه ونواياه ونجح على جميع الجبهات واستغل العملية الفاشلة للجيش لصالحه وقام بحملة تطهير واسعة طرد فيها أكثر من 97 ألف موظف حكومي وإغلاق 158 وسيلة إعلامية و60 قناة تلفزيونية ومحطة إذاعية و29 دار نشر و19 صحيفة وخمس وكالات إخبارية واعتقال أكثر من 150 صحفياً وازاح جميع السياسيين من حزب العدالة والتنمية الذين عارضوه كان آخرهم رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو الذي وقع على إتفاقية اللاجئين مع الاتحاد الأوربي دون مشورة الرئيس أردوغان وجن جنونه عندما وجهت الإدارة الأمريكية دعوة لأوغلو لزيارة واشنطن لكن أردوغان عارضه بشدة عند تشكيل اللجنة المركزية لحزب العدالة والتنمية ونشب شجار حاد بين الرجلين إلى درجة استقالة داوود أوغلو بعد اثنتي عشرة ساعة من الخلاف وتضم هذه القائمة الشجاعة بالإضافة إلى داوود أوغلو رئيس الجمهورية السابق عبد الله غول المؤسس المشارك لحزب العدالة والتنمية وبولند أرينك رئيس لبرلمان ونائبته فاطمة أوكسال وأرطغل غوناي وزير الثقافة أي أن أردوغان يريد أن يكون الرقم الصعب والوحيد في تركيا الذي ينبغي الاتصال به ومشورته.
ومن الجبهات التي نجح فيها صراعه مع حزب الشعوب الديمقراطية في الولايات الكردية هذا الحزب الذي دعا مؤيديه إلى التصويت بلا للتعديلات الدستورية فثلاث مدن كردية كانت قد صوتت لحزب الشعوب الديمقراطية في الانتخابات النيابية السابقة صوتت بنعم لصالح مشروع أردوغان وربما كانت هذه المدن الثلاث هي من رجحت النتيجة النهائية وكانت بيضة القبان الذهبية التي فرحت أردوغان .
أردوغان الذي قال بعد عودته من باكستان في الثاني من آذار مشيراً إلى مقر حزب العمال الكردستاني في قنديل لو قلت (لا) فسوف يذهب صوتي إلى قنديل لو قلت (لا) فسوف يذهب هذا (لا) بالبلاد إلى عدم الاستقرار.
وإلى حين تطبيق التعديلات الدستورية في تشرين الثاني عام 2019 فأن أردوغان يحتاج إلى الفوز في تلك الانتخابات وإلا فسوف ينقلب السحر على الساحر وهنا أعتقد أن الرئيس التركي ربما يفكر في الإعلان عن انتخابات مبكرة عام 2018 أو في خريف 2017 لتفويت الفرصة على الأحزاب الصغيرة التي تحاول العودة من جديد ولم الشمل وقد يبرر ذلك أردوغان بضعف وتيرة نمو الاقتصاد وأرتفاع معدلات البطالة هذا بالإضافة أنه يحتاج إلى تجديد حالة الطوارئ بسبب طول مدة التحول إلى النظام الرئاسي ومسكه بكل مفاصل الدولة وليثبت بأنه الوحيد القادر على حماية البلد من الارهابين والانقلابين.
لا شك أن أردوغان حقق الكثير لتركيا من الناحية الاقتصادية وحول الدولة التركية من دولة مديونة لصندوق النقد الدولي إلى دولة دائنة له وأنجز الكثير من المشاريع الضخمة وأقترب من حل القضية الكردية التي كانت من الخطوط الحمراء ووضعت تركيا قدمها في قائمة أفضل الاقتصاديات بين خمس عشرة دولة ولكن كل هذا كان ينقصه اتباع أردوغان للنظم الديمقراطية في الحكم صحيح أنه رجل متميز في تركيا وينوي البقاء في الحكم حتى 2029 لكن هذه الفترة طويلة وربما ستكون هناك الكثير من المفاجأة وحتى أن هناك احتمالات بيولوجية تتعلق بأردوغان نفسه من جهة العمر أذ أنه يبلغ من العمر الأن 63 سنة .
هناك أمثلة عديدة حول العالم لرجال حققوا الكثير لبلدانهم حتى أن تجاربهم بدأت تدرس وتطبق في بعض البلدان النامية كالدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ولو تحدثنا عن الرئيس البرازيلي نجد أنه قد حول بلده من دولة نامية إلى أكبر الاقتصاديات في العالم وتنافس الدول المتقدمة هذا الرجل الذي طلب منه مؤيدوه تعديل الدستور والبقاء فترة رئاسية إضافية لكنه رفض في خطاب شهير بكى خلاله كثيراً وقال: لطالما كنت أحارب هؤلاء الذين يتمسكون بكرسي الحكم فلا أستطيع أن أقلدهم وأن أحتفظ بالكرسي فلا بد أن نترك الفرصة لوجوه جديدة فأين الرئيس التركي أردوغان من هؤلاء وهل سيلطخ مسيرته المشرقة للشعب التركي في السنوات القادمة؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…