كردستان وحق تقرير المصير

زهرة أحمد
الأيام لا تتوانى في الكشف عن قناع العروبية الشوفينية، عن وجوه احتمت بكردستان لتحفظ كرامتها من استبداد البعث.
كردستان الحضن الآمن على مر التاريخ، حمت أعراضا وأرواحا من هلاك محتم. سلسلة من المؤامرات العراقية والاقليمية تحاك ضد إرادة الشعب الكردي بخبث شوفيني وخاصة الدول التي تقتسم كردستان تعريبا وتتريكا وتفريسا.
فلا يزال اسم مهاباد يقلق سكينة الملالي، ودعوات البارزاني للاستفتاء تجابه بمؤامرات سرية وأخرى علنية فاشلة.
تراكمات الماضي البعثية هدمت الحياة وشوهت قيم الانسانية وزرعت تربية عنصرية مليئة بالحقد والكراهية للشعب الكردي ومحاربة حقوقه.
جذور الفكر الفاشي المختبئة في ظل نظام طائفي جعفري ومالكي، في محاولة بائسة للرجوع الى عصر البعث في زمن انقرضت فيه شوفينيته وتناثرت معاجم الاستبداد، وتسونامي عمار الحكيم يسيء إليه والى وطنية والده محسن الحكيم ومواقفه المشرفة تجاه كردستان.
نسيج المؤامرات لا يقوى أمام إرادة الحرية، وستتمزق باستفتاء شعبي على حق تقرير المصير للشعب الكردي.
يحق للشعب الكردي في كردستان العراق حق تقرير مصيره بنفسه لأنه حق خاص بالشعوب صغيرها وكبيرها وكذلك الشعوب في الدولة الواحدة، وينطبق هذا المبدأ على الشعب الكردي في كلٍّ من سوريا وتركيا وايران، فنتيجة الخارطة الجيوسياسية التي وضعتها الدول الاستعمارية ورسختها الاتفاقيات الدولية كرست تقسيم كردستان دون الرجوع الى إرادة الشعب الكردي بين دول أكثر استبدادية في التاريخ.
حيث أثبت بأن الحكم المركزي البعثي في سوريا والعراق ودكتاتورية تركيا العثمانية واستبداد الملالي لم يجلبوا للبشرية سوى الخراب والدمار وانتهاك الكرامة الانسانية وفشلت فشلا ذريعا في احترام حقوق الشعوب التي تحتلها وإرادتها الحرة في الحرية والحياة الكريمة، مورست بحقها أبشع صور الاستبداد والجرائم وصلت لدرجة الابادة الجماعية.
حق تقرير المصير بما يتضمنه من أبعاد سياسية وقانونية ملزمة ترسخ حق الشعوب في تقرير انتمائها ومركزها السياسي وشكل نظام الحكم لها.
فدولة العراق الاتحادية والعقول البعثية على سدة الحكم تماطل في تطبيق الحقوق الدستورية المنصوص عليها في الدستور العراقي، فلا تزال المادة 140 من الدستور العراقي في أرشيف الإقصاء الحاقد وموضع مماطلة وتجاهل لتثبت فشل التجربة الفيدرالية وتحطيم أخر جسر للتواصل مع العراق قانونيا، لذلك من حق الشعب الكردي ممارسه حقه في تقرير مصيره بنفسه وفق منظورها السياسي والقانوني عن طريق الاستفتاء باعتباره من الوسائل الدستورية الطبيعية للتشريع الداخلي ومؤكد عليه في القانون الدولي وتتضمن استشارة الشعب حول رغبته في تقرير مصيره بنفسه.
حق تقرير المصير يستند الى فكرة ان “الشعوب هي مصدر السلطات”
حتى اذا لم يكن إجراء الاستفتاء بالتوافق مع الدولة التي يقع فيها الشعب الذي يريد أن يستفتي على مصيره وحتى اذا لم تكن هناك اية مادة دستورية في دستور تلك الدولة تشير الى حق تقرير المصير، فان الشعوب تلجأ اليها كنتيجة حتمية لتوالي سياسات التمييز العنصرية والمحاولات الجاهدة لطمس الهوية القومية للشعوب في تلك الدولة.
في الدستور العراقي هناك مواد واضحة تؤكد حق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه باعتراف دستوري واضح بأن العراق بلد متعدد القوميات وما يترتب على ذلك من الاعتراف بالشخصية المعنوية والقانونية للقومية ولحقوقها القانونية المنصوص عليها في المواثيق الدولية ومقررات الامم المتحدة حول تقرير المصير للشعوب.
يملك الشعب الكردي في كردستان العراق مقومات وظروف ذاتية وموضوعية وكافة مقومات الدولة الحديثة وفق القانون الدولي.
فالنظام السياسي القائم في كردستان العراق حقق درجات متقدمة من الديمقراطية ومقومات العيش المشترك، والحريات الأساسية التي يتمتع بها المواطن الكردستاني في كردستان العراق فاقت تلك التي يتمتع بها المواطن في أي دولة أخرى.
الانتصارات العظيمة التي حققتها البيشمركة الابطال بقيادة البيشمركة البطل مسعود البارزاني ضد أخطر أشكال الارهاب في العالم عززت مكانة الاقليم عالميا ورسخت أمتن الاسس لاتفاقيات وبروتوكولات دولية ضمنت اعترافا قانونيا ضمنيا بكردستان.
السياسية الحكيمة والدبلوماسية الناجحة للرئيس مسعود البارزاني وتمثيله الحقيقي لإرادة الشعب الكردي رسمت الحروف الأولى لأبجدية الاستقلال.
هذا بالإضافة إلى أن الأمم المتحدة تؤكد دائماً على الالتزام بالمعاهدات والمواثيق الدولية والتي تنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها وتدعم كل خطوة نحو التحرر والاستقلال.
ففي الفقرة الأولى من المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية عام 1966م: 1- لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
   2- على الدول الأطراف في هذا العهد أن تعمل على تحقيق حق تقرير المصير وأن تحترم هذا الحق وفقاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة.
كما جاءت في المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة: أن من أهداف الأمم المتحدة: تنمية العلاقات الودية بين الدول على أساس مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير مصيرها واتخاذ سائر التدابير الملائمة لتوطيد السلم في العالم.
تحمَّل الشعب الكردي كجباله كل أشكال المآسي، تعرض للأنفال والأسلحة المحرمة دوليا في أبشع صور الابادة الجماعية، وصور الموت في هجراتها المليونية، لم يحضن آلامها سوى جبالها الشامخة التي شهدت ثوراتها وانتفاضاتها للحرية، وعلى سفوحها عانقت شعلة الحرية رفعة السماء.
فالشعبُ الذي لم يخدش الجينوسايد إرادته قادرٌ على صنع المعجزات.
ستشهد كردستان استفتاء في الأيام القادمة وسيرفرف علم كردستان بكل شموخه وملاحمه البطولية أمام مبنى الأمم المتحدة، وستعانق هولير إشراقة يوم جديد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…