الصدام الكردي – التركي ونذور مخاطر كبيرة في المنطقة

فارس شمسي 
في خطوة فاجأت أغلب المتابعين للشأن السوري قام الطيران الحربي التركي بقصف مواقع لقوات وحدات الحماية الكردية في شمال شرقي سوريا الواقعة ضمن المناطق التي أعلن الإدارة الذاتية الكردية الفيدرالية فيها . خطوة يرجع الكثير عنصر المفاجأة فيها تزامنها مع حملة قوات سورية الديمقراطية والتي يشكل الوحدات الكردية عمودها الأساسي على مدينة الرقة مدعومة بالتحالف الدولي التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش ومحاولة اجتثاثه من عاصمة خلافته المزعومة مدينة الرقة السورية رغم كل المحاولات التركية السابقة مع الولايات المتحدة أبان عهد باراك أوباما وحتى الأشهر الأولى من حكم دونالد ترامب وكلها نحت تجاه الفشل في قطع العلاقة مع القوات الكردية والتي تعتبرها تركيا امتدادا وفرعا سوريا لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض صراعا عسكريا ضد الحكومات التركية منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي .
الضربة الجوية التركية فتحت الهواجس لدى غالبية الشعب الكردي عن مآلات التي يمكن أن تنتج عن هذه الضربة وعن المصير التي تتجه إليها منطقة روج آفا والتي نأت بنفسها منذ ما يقارب السبع السنوات عن الدمار والقصف العسكري ( باستثناء المعارك ضد تنظيم داعش والنصرة ) التي حلت بالداخل السوري نتيجة الصراع الدموي ما بين النظام السوري والمعارضة العسكرية له ،وتستمر تلك الهواجس والتخوف إذا كانت الضربة رسالة تحذيرية تركية بعدم تجاوز خطوطها الحمر أم تستتبع بجولات وضربات لاحقة يكون الكرد فيه كبش فداء مرة أخرى واعتباره أقل الأوراق قوة قياسا مع المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى مع الدول الإقليمية  .
ويبدو الإعلان التركي عن مسؤوليته للضربة وتفسيرها له باستهداف القواعد التابعة للعمال الكردستاني التي تشكل نقطة تدريب وعبور وتهريب للأفراد والأسلحة والمتفجرات إلى الداخل التركي وزعزعة الاستقرار فيها إعلان يكرس ويكرر تلك الحجج التركية في تبريرها لانتهاج الوسائل العسكرية في التعاطي مع القضية الكردية داخل تركيا واستمرارها في تلك السياسات والعمل على استغلال الظروف والأحداث الدولية في تنفيذ سياساتها الخاصة فيما يتعلق بالمسألة الكردية كما فعلت عند الإعلان اشتراكها مه التخالف الدولي في  الحرب ضد تنظيم داعش في آواخر عام 2015 استغلته وحورته في شن المزيد من للضربات الجوية ضد قواعد العمال الكردستاني .
ويكاد يجمع أغلب المحللين السياسيين أن الضربات التركية لم تكن تفعل لولا الموافقة المسبقة من الولايات المتحدة والتي شكلت مفاجأة عن سر التوافق التركي الأمريكي  وتزامنها مع الحملة الأمريكية ضد معقل داعش في الرقة وهي أحوج إلى ضبط حلفاءها وان اختلفت استراتيجياتهم وتناقضاتهم لكي تتمكن الادارة الامريكية من تحقيق انجاز ينسب لها باجتثاث داعش خلال فترة إدارتها للبيت الأبيض كما وسبق أن قامت إدارة أوباما بالاتفاق النووي مع إيران واعتباره انجازا يحد من طموحات إيران النووية وترى تلك الأوساط في الموافقة الضمنية الأمريكية رسالة إلى الوحدات الكردية بأن عليها تغيير سياستها وفك الارتباط مع حزب العمال الكردستاني وآليات تعاطيها مع الأطراف السياسية الداخلية الكردية والسورية ودول الجوار  بما يهدأ من هواجسها الأمنية .
في حين ترى أوساط أخرى أن العملية قد تكون خلط للأوراق يلعبه الرئيس  التركي واظهار حزمه وقوته بعد نتائج الاستفتاء الأخير وتحول الحكم التركي من نظام برلماني  إلى رئاسي يمنح رجب طيب أردوغان صلاحيات سلاطين آل عثمان والذي يتمسك بخطوط بلاده الحمر في استكمال لسياسات حكومات العسكر السابقين فيما يتعلق بالقضية الكردية ورفضه لأية اتفاقات وتفاهمات دولية لا تأخذ مصالح تركيا الحيوية بعين الاعتبار وخاصة بعد فشل اجتماع رؤساء الاركان الثلاث  ( الولايات المتحدة وروسيا وتركيا ) خلال شهر آذار الماضي في التوصل لاتفاق بهدف التنسيق في مجال مكافحة الإرهاب والتي أرادت تركيا منه في قطع العلاقة الأمريكية مع الوحدات الكردية أو إحداث شرخ في التفاهم الروسي الأمريكي من الملف الكردي في سوريا ممثلة بوحدات الحماية الكردية   .
وإذا كانت تجمع أغلب الدراسات الفكرية وآراء  المحللين أن مرحلة الهواجس الحالية والصدام التي كان يخشى منها كانت مرشحة إلا ما بعد انتهاء الحملة العسكرية الأمريكية  في الرقة فأن حدوثها قد ينذر بتداعيات خطيرة على المنطقة ما لم تتدارك القوى الكبرى وتكبح جماح النزعة التركية ريثما يتم التوافق على مخطط جديد يرضى بقبول الأطراف الدولية الفاعلة والإقليمية مع القوى المحلية وهو تفاهم لم يتبلور خيوطه حتى الآن  .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…

محمود أوسو منذ عام 1957 وتأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، دخلت الحركة الكردية عقوداً من القمع والسجون والمنفى ،لكن أن هذا العمر الطويل لم ينتج بالضرورة (دولة حزبية) ناضجة بل أنتج أحياناً تكراراً لنفس الأزمة: انسحاب، انشقاق، تخوين، ثم تشكيل حزب جديد بنفس العقلية القديمة. آخر حلقات هذا المسلسل هي الانسحابات من قيادة حزب الوحدة الديمقراطي الكردي بقيادة شيخ…