لقاء حميميم …وأوهام الحوار

أكرم حسين
يعيش الكرد في اراض عابرة للعراق وسوريا وتركيا وايران ، ويتمسكون بهويتهم القومية ويتغنون بأمجادهم التاريخية قبل تقسيم اراضيهم، ورغم ان مؤتمر سيفر1920 قد اقر بإقامة كيان كردي ، الا أن اتفاقية لوزان 1923 انهت حلم الكرد بالاستقلال ، ورسخت الحدود الحالية – بعد ان الحقت الموصل والمناطق المجاورة لها الى العراق- في اطار الانتداب الانكليزي – وفتحت صفحة جديدة من النضال الكردي ، في مواجهة الدول التي الحقوا بها،
اما الان فإقليم كردستان يتمتع بإدارة شؤونه ، وفي ” روج أفا ” تجري محاولات لإنشاء اقليم فيدرالي ، رغم ان الكرد يديرون مناطقهم منذ 2014 من خلال ادارة ذاتية “ديمقراطية” يرفضها المجلس الوطني الكردي وينعتها باللاشرعية ويصفها احيانا بسلطة “الامر الواقع” او سلطة ” الوكالة” .  
تظهر الوقائع العنيدة ، ازياد الاهتمام الدولي بالكرد ، خاصة بعد دحر داعش من قبل قوات البشمركة وYPG  التي سطرت ملاحم البطولة والنصر في كوباني وسنجار ومنبج وجلولاء وزمار وبعشيقة والهول والخازر والشدادي و… الخ، من هنا يمكن ان نقرأ دعوة حميميم للأحزاب الكردية التي لم يكن ينتظر منها احداً ان تحقق المصالحة الكردية ، ولا ان تزيل التشنج والاحتقان بين فصائله المختلفة ، بعد فشل اتفاقيات هولير ودهوك ، بسبب الأيديولوجيا الحزبية واوهام الذات التي تعيشها هذه الاحزاب. 
 نعم لم يكن يتوقع من لقاء حميميم ان يقنع النظام بالمظلومية الكردية السورية ، ولا بالانفتاح  أو الاعتراف الدستوري بوجودهم القومي وحقوقهم الوطنية والديمقراطية ، فرغم كل ما قدمته موسكو من دعم عبر أساطيلها الجوية والبحرية وقواتها الخاصة ، ما كان  يمكن للنظام ان يتواجد ولو بشكل رمزي في مناطق الكرد ، لولا تحصينها في وجه الارهاب وحمايتها لمؤسسات الدولة ومنشأتها النفطية ، رغم الحصار وانعدام الدعم العسكري واللوجستي ، فحسب المعلومات المتوفرة فان لقاء حميميم لم يكن الا من اجل تشكيل وفد كردي للمشاركة في مؤتمر الاستانة الذي تنوي موسكو عقده استناداً الى اللقاء الثلاثي بين روسيا وتركيا وايران ، لذلك عاد زوار حميميم محملين  بمشاعر الخيبة والاحباط ، رغم الانكار والمكابرة  والانزعاج من الحديث الروسي الذي طالبهم بقبول دستور 2012 مع الموافقة على بعض الخصوصيات الثقافية الكردية ، و توسيع صلاحيات المجالس المحلية.  
 ما جرى في حميميم لم يكن الا تأكيد على خطأ تهافت البعض ، وعلى بؤس الفكر الذي يبني مشروعه على الحوار مع نظام لديه مشكلة تاريخية مع الكرد ومع قضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان بسبب عقلية التفرد والهيمنة والاقصاء ، فقد اظهر لقاء حميميم  اخفاق الاستراتيجية التي بنى عليها البعض مشروعه ،بإمكانية  الحوار منفرداً مع النظام او الروس ، وانتزاع الاعتراف بالوجود الكردي قانونيا ، بعيدا عن الشعب السوري  – هذه الاستراتيجية تحرر النظام من عبئ توزيع قواته وموارده على مناطق لا تحظى بالأهمية الحاسمة ونقلها الى مناطق تحصن شرعيته – وهو رهان خاطئ شجع عليه الروس  من اجل استمالة الكرد وابعادهم عن حلفائهم الدوليين ! . 
لقاء حميميم يضع مرة اخرى مصداقية الموقف الروسي على المحك ،فهناك وجهة نظر تقول بان سوريا اصبحت من حصة الروس ، ولهم دور رئيسي في تسوية الصراع واستمراره وان معركة الاستنزاف ستطول بعد انكفاء الدور الامريكي مؤقتا ، وبالتالي على الكرد عدم تفويت الفرصة ، والتفاوض مع الروس من اجل حقوقهم لان لهم اليد الطولى ، وهذا المسار لا يضر بالمصالح الكردية التي صارت قاب قوسين من التحقق ، لان نجم الكرد في صعود، وسيكسبون المعركة السياسية كما كسبوها عسكريا،هذا الرأي يستحق التوقف عنده لان الكرد يجب ان لا يرفضوا مبدأ الحوار، لكن يجب ان يكونوا متفقين  على كلمة سواء فيما بينهم، أي يتفقوا على مطالب مشتركة تخص الكرد السوريين ،وتحفظ حقوقهم القومية والديمقراطية، كما أن الحوار يجب ان يجري بضمانات وبرعاية دولية واممية ،كي لا يكرر التاريخ نفسه ثانية على شكل ملهاة ، كما جرى مع علي باشا جان بولاد عندما كان واليا على حلب في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر ،حيث كانت ولايته تمتد من اضنة حتى طرابلس ودمشق ،لكن الاوربيين خذلوه عندما هاجمته قوات السلطنة العثمانية ، وفر اثر ذلك الى الشوف اللبناني ، وبالتوازي مع حركته نشأت حركة فخر الدين المعني الثاني من حلب الى فلسطين اضافة الى الجبل اللبناني الا انها هي الاخرى تعرضت لنفس المصير من قبل الاوربيين ، ولاننسى هنا بان الأوربيين انفسهم وقفوا في وجه انتفاضة الشيخ عبيد الله النهري ،والشيخ محمود الحفيد واسماعيل اغا  الشكاكي  في العراق وايران ،وكانوا السبب في سقوط جمهورية مهاباد  واعدام القاضي محمد وكذلك في انتكاسة ثورة الخالد ملا مصطفى البارزاني 
  . لم يكن المجتمع الدولي يوما الى جانب الشعب الكردي، بل عمل دائما من اجل مصالحه ومارس سياسة مزدوجة تمثلت بالغدر مع اغلب الحركات الكردية . 
اخيرا يمكن القول على الكرد ان يستفيدوا من دروس التاريخ والا يثقوا بأعدائهم ، وبكل الدول التي لم تف بوعودها والتزاماتها تجاههم – وكما يقول المثل لن يحك جلدك سوى ظفرك – فليس للكرد أصدقاء سوى وحدتهم والجبال .
……………………………………….
نشر في العدد (56) من صحيفة buyerpress 
2017/1/1

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…