تركيا والبديل الديموقراطي الجديد

جان كورد 
 بداية يجدر بنا القول بأنه ما من زعيم أو قائدٍ أو أمين عام حزبٍ أو رئيس من الرؤساء يمكن أن ينوب في التفكير عن الشعب أو الأمة أو القوم، سواءً أكان غربياً أو شرقياً أو من شرقنا الأوسط، كوردياً كان أم عربياً أم هجيناً…  فالزعم بأن الزعيم يفكّر بالنيابة عنا، ليس إلا رياءً ونفاقاً،  وما من زعيم أو قائد، حتى الذين نعتبرهم عظماء، إلاّ وأخطأوا في حياتهم السياسية وندموا أو اعترفوا بأخطائهم… وهذا ينطبق على الرئيس المحارب السيد مسعود البارزاني وعلى شريكه، المام جلال الطالباني، أعانه الله وأسبغ عليه ثوب الصحة والعافية، والأسير المعتقل، السيد عبد الله أوجالان  وولي الفقيه السيد خامئني، و”السلطان الجديد” في أنقره… ناهيك عن الأتباع من أمثال السياسي المعتقل الكوردي، صلاح الدين دميرتاش والسيد الذي يعتقل الكورد السياسيين صالح مسلم، فليس هناك معصوم عن الخطأ سوى الله سبحانه وتعالى… إذ كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، بمعنى إن أفضلهم هو الذي يعود إلى رشده ولا يستمر في عناده رغم الخطأ الذي هو واقع فيه.
الحزب الذي يحكم في تركيا اليوم، حزب العدالة والتنمية، مشهور بتوجهه الإسلامي المتعثر، إلاّ أنه حزب غير إسلامي، فالإسلامي لا يقبل دستوراً وضعه الكماليون العلمانيون الطورانيون، بمعنى أنه يرفض أي بديل كان عن تطبيق الشريعة، بما فيه إقامة الحدود الشرعية أيضاً، كما لا يرضى أن يكون جيش البلاد الذي يدعى ب”الجيش المحمدي” خاضعاً لميثاق حلف الناتو،  وهو في الوقت ذاته حزب غير ديموقراطي لأنه منحرف تماماً عن جادة الحياة الديموقراطية في تركيا، ويقول رئيسه السيد أردوغان علناً وصراحةً بأنه لا يهتم إن قارنوه بأدولف هتلر، الذي وصل إلى الحكم مثله عن طريق انتخابات “ديموقراطية”  في ألمانيا، ثم قصف ظهر كل من طالب بممارسة الديموقراطية. 
وهذا الحزب الذي سلّم قدره لرئيسه، ويرضى بأن يفكّر عنه رئيسه بالنيابة عنه، يعلم جيداً أن “ديموقراطية” السيد أردوغان، أبعدته مسافةً أطول من ذي قبل عن احتمال الانضمام إلى “الاتحاد الأوربي” الذي فيه دول أضعف بشرياً ومالياً واقتصادياً وعسكرياً ومكانةً استراتيجيةً من تركيا بكثير، مثلما أبعدته عن تحقيق السلام الوطني والأمن والاستقرار بشنه حملات اعتقال واسعة النطاق بذريعة أن كل هؤلاء الخمسين ألف معتقل ربما كانوا يؤيدون في قلوبهم أو ساهموا بألسنتهم في المحاولة الانقلابية الفاشلة التي يتهم السيد أردوغان صديقه العريق، السيد فتح الله غولن، المهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بتدبيره أو التحريض عليه، وفي نفس الوقت ثمة زعيمين كورديين في السجن، لا علاقة لهما بالغولنجية، الأوّل هو السيد عبد الله أوجالان، رئيس حزب العمال الكوردستاني، والآخر هو السيد صلاح الدين دميرتاش، رئيس حزب الشعوب الديموقراطية، ومن دون التفاوض مع هذين الحزبين يمكن القول بأن السلام الوطني قد تأجل، والحرب على الكورد مستمرة، وهذا يعني اتساع الثغرة في أمن واستقرار البلاد، وجرّ اقتصادها إلى الحضيض، وتعكير الأجواء بين مكوناتها القومية، في حين أن أحد بنود برنامج الحزب في الانتخابات التشريعية كان “الاستمرار في الجهود من أجل السلام”. فمعلوم أن السيد أوجالان يسعى منذ اعتقاله قبل 16 عاماً للوصول إلى سلامٍ بين حزبه والدولة التركية، وتخلى من أجل ذلك عن برنامجه الكوردي لصالح “دمقرطة تركيا”، والسيد صلاح الدين دميرتاش ومعه رفاقه المشهورين من أمثال السيد أحمد تورك المعتقل أيضاً يؤيدون هذا الاتجاه بقوة، فإن لم يتفق حزب العدالة والتنمية مع نواب حزب الشعوب الديموقراطية في البرلمان، فكيف سيتفق مع مجموعة القيادة لحزب العمال الكوردستاني الذين يتحصنون بجبل “قنديل” في جنوب كوردستان، وقنابل الطائرات التركية تنصب عليهم حمماً وغازات، كل يوم؟ 
حزب العدالة والتنمية، الذي حدد أحد أركانه، رئيس الوزراء السابق، الدكتور أحمد داوود أوغلو، سياسته ب” تصفير المشاكل” مع الجيران، ثم رمى بالمنصب لأنه لم يتحمل الاستمرار في ظل سيده الرئيس أردوغان، يرى الآن، كيف  زج هذا الرئيس بجيش “المحمدجيك” في دولتين جارتين، العراق وسوريا، ويجهد للبقاء فيهما، رغم أن البقاء من دون رغبة أو موافقة سلطات الدولتين، قد يفجر بركاناً كارثياً للمنطقة، فتدخل تركيا في حربٍ مع منافستها إيران القوية، وبذلك يخسر الحزب وتخسر البلاد وقد يؤدي ذلك إلى تقسيمها، لأن إيران ستدعم الكورد في تركيا في سعيهم من أجل انتزاع حريتهم التي قاتلوا في سبيلها وضحوا لها عقوداً عديدة من الزمن، بل منذ قيام الجمهورية في عام 1923م وحتى الآن. 
ولذا، لا بد من أن يظهر “بديل ديموقراطي جديد” في  تركيا، في جو انعدام الثقة بين الحكومة والأحزاب المطالبة بالحفاظ على “الديموقراطية التركية العرجاء”، وبسبب تعاظم المد الإرهابي للمنظمات المتطرفة، والتململ الطائفي بين ملايين العلويين الذي يخافون على مستقبلهم من تعاظم دور الإسلاميين في الحياة السياسية للبلاد، والقطيعة شبه التامة بين فئة كبيرة من جنرالات الجيش والسلطة، وكذلك عدم رضى رجال القانون والإعلام والأمن من سياسة “تطهير الإدارات المدنية والعسكرية” من معارضي السيد أردوغان، وكبت حرية الإعلام وإغلاق الصحف والأقنية التلفزيونية، والمعاهد والجامعات، وبسبب قلق السياسيين والدبلوماسيين في كلٍ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي على مستقبل العلاقات بين بلدانهم وتركيا الأردوغانية، حتى وصل الأمر إلى نقطة يقول عندها كبار الأوربيين بأنهم لا يريدون هكذا تركيا بينهم، ومنهم من يطالب بطردها من حلف الناتو… 
إلا أن “البديل الديموقراطي الجديد” يجب أن يتفادى أخطاء الأحزاب الكلاسيكية التركية، التي مرغت الإدارات في أوحال الفساد المستشري، وسلكت طريق بث السموم حيال المكونات غير الطورانية في البلاد، وبخاصة أحزاب اليمين وحزب الشعب الجمهوري، وألا يصطدم بحزب العدالة والتنمية الذي لا يزال يتمتع لعدة أسبابٍ ذاتية وموضوعية بجماهير واسعة في الشارع التركي، وأن يرمم ما أصاب العلاقة مع الجيش وأجهزة الأمن والقضاء والإعلام من خروقٍ قوية، وأن يتجرأ على الجلوس إلى قيادات الكورد مباشرة، دون وسطاء أو دخلاء، للتباحث معها بجدية من أجل إيجاد منفذٍ لخروج تركيا من هذه الأزمة السياسية المستديمة، إذ لا يعقل أن تطالب تركيا بالسماح لها لتكون عضواً في الاتحاد الأوربي، وفي ذات الوقت تمارس في الداخل سياسات القمع والتقتيل والهدم والتشريد، وتسجن نواب الشعب المنتخبين، وتكتم أصوات المعارضة، ولا تعترف بوجود الشعب الكوردي الذي أثبت أنه يريد السلام لا الحرب كما يريد العيش المشترك مع جيرانه الأقربين.
“البديل الديموقراطي الجديد” يجب أن يأخذ كل المسائل الوطنية في تركيا بعين الاعتبار وبحل المشاكل، لا أن يكون نسخة رديئة لمن حكموا ولم يحققوا سوى المزيد من الشقاق والابتعاد عن الديموقراطية الحقيقية التي تضمن حرية العقائد والرأي وتمنح الحق في تقرير المصير للشعب الكوردي، الذي بالتأكيد سيقرر الحياة المشتركة مع الشعب التركي في سلام وحرية اختيار، وليس مكرهاً.  ولذا يجب أن يبني الكورد والترك الديموقراطيون، من السنة والعلويين معاً، مثل هذا البديل الديموقراطي الجديد، الذي يبدو كحبل النجاة لقارب تركيا الذي تعصف به الرياح في بحر هائج الأمواج بسبب السياسة اللا معقولة التي يتبعها حزب العدالة والتنمية في ظل رئيسها الطامح في السلطنة، بعد أن خذله الأوربيون وأبعدوه عن طاولاتهم وفقدوا الثقة به…
‏22‏ تشرين الثاني‏، 2016

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…