أين إيجابيات الصراع الكردي-الكردي 1/2

د. محمود عباس
  لم نتناول الحقيقة المؤلمة (الخلافات الكردية –الكردية) إلا من صفحاتها السلبية، نادرا ما قمنا بتحليل وتأويل الوجه الآخر، ونتائجها، لأننا وفي معظم استنتاجاتنا جزمنا وبالمطلق أن أحد أهم أسباب الواقع المأساوي للشعب الكردي، وعلى مر التاريخ الماضي، هي صراعاتنا الذاتية اللامنتهية، ولم نحاول التنقيب عن إيجابية ما في هذه الجدلية، وفيما إذا بالإمكان تسخيرها لصالح قضيتنا، أو استخدامها على مبدأ نظرية صراع الأضداد، علها تسندنا لبلوغ هدفنا القومي، بعد فشل الدروب الكلاسيكية. 
 لا شك فهمنا الخلافات، والتي بلغت سوية الصراعات، بأنها حالة سلبية بمطلقها، وهكذا تقبلناها نحن الكرد، متناسين بأنها ربما لهذه الحقيقة، وعلى مبدأ جدلية الصراع، أوجه غائبة، وعلينا إحضارها ودراستها، علنا نخرج بنتائج إيجابية.
نحن هنا لا نود أن نتجول في شعاب النظرية، للمقارنة، بقدر ما نود أن نبحث في واقع الصراع الكردي أو الخلافات المتصاعدة، بين الأحزاب الكردية والكردستانية، والحركة الثقافية، وبين القراء والكتاب، وبين الإعلام والمواقع الكردية، وبين شرائح من المجتمع على الصفحات الاجتماعية. والمتعمق في كل هذا، سيجد أن الحروب بين الكرد أبشع من حروبهم مع الأعداء، وهي لا تقل فظاعة عن الحروب الجارية في المنطقة، والتي نرجح أن معظمها ناتجة تحت تأثير القوى الخارجية، والمستغلة السذاجة الكردية، وبالتأكيد في حالاتها السلبية، وعتمت على الوجه الأخر في الجدلية، والتي ربما هي واحدة من العوامل التي تحافظ على الشخصية الكردية السياسية، مثلما كان عاملاً مخفياً، حافظت تاريخيا على الوجود الكردي. ففي الحالة الأولى، وعلى خلفية الانتقادات الحادة كالعمالة والتخوين، والصراعات، لم تسمح طرف للطرف الأخر بالإذابة في القوى الإقليمية المسيطرة. وفي الثانية، لم يسمحوا لذاتهم القومية بالإذابة في الشعوب المهيمنة، كما حدث لأغلبية الشعب الأمازيغي أو القبطي أو السرياني أو الكلداني في العربية لغة والعروبة قومية، أو قسم من البلغاريين واليونانيين واللاظ بين الأتراك. 
  وبشكل أوضح، يجب على الأطراف الكردية والكردستانية، محاولة الاستفادة من ديمومة خلافاتهم، وخاصة تلك التي تؤججها القوى الإقليمية كأحد أهم أجنداتها، لتقزيمهم وإضعافهم، وبما أن قدراتهم لا تزال أضعف من مواجهتها، فالأفضل تقبلها من المنطق المعاكس لسلبيات لصراع، بتحديد لغة التهجم والتدخل في شؤون البعض، وخاصة التخوين، إلى حدود إرضاء العدو وتنفيذ أجنداته، أو إملاءاته، على خلفية السير في ركب الاستراتيجية المفروضة عليه، أو التي اختارتها بعد دراسة، وتستخدمها كتكتيك، ولا بد من تقبل النقد المتبادل، وتطبيق الحد الأدنى على الأقل من المفاهيم الديمقراطية، في التعامل أو الانتقادات. من المؤسف أننا لا نعرف من أوجه النقد إلا الحاقدة وذات المذاق المر، علما بأنه للنقد أوجه عديدة، وتطرح كظاهرة حضارية في المجتمعات المتطورة. 
  والأهم للحركة الكردستانية، والمعنيون بالأمر أولاً، هولير وقنديل والسليمانية، قبل الأطراف الحزبية التابعة أو حتى المستقلة (إن كانت موجودة) الإبقاء على بعض أبواب الحوارات مفتوحة، وإلغاء منطق القطيعة، على أطراف الخلافات الجارية، كالتي في جنوب غربي كردستان، وتحجيم منطق الإلغاء، التي تستخدمها سلطة الأمر الواقع. وبالمناسبة، فإن هذه الصفة حقيقة واقعة، وبالإمكان استخدامها، بإيجابية، لو استمرت الحوارات بين الطرفين، ولم يرضخا لإملاءات السلطة والمعارضة السورية أو القوى الداعمة لهما، وتقبلا بشكل ما على أن ينفذا الأجندات المفروضة عليهما في صراعاتهما وفي المنطقة الكردية ومع المجتمع، في أدنى سوياتها، وللأسف ما قامت به سلطة أمر الواقع، في تعاملها مع أطياف المجتمع المعارض ومع الأطراف الحركة الكردية المعارضة السياسية والثقافية، تجاوزت كل الاعتبارات، وكل التوقعات، وبالمقابل كان رد الفعل لا يقل سذاجة، بانجرافها مع القوى التي استفادت من الصراع الكردي في بعده السلبي. وليت هذه الأطراف تدرك أن التصاعد الكردي، في الواقع الفعلي، ظهر على خلفية نسبتهم الديمغرافية في المنطقة وامتدادهم الجغرافي قبل أن تكون على خلفية حراكهم السياسي ونشاطاتهم الدبلوماسية، وتحالفاتهما الإقليمية.
 لا بد وأنه في عمق خلافاتنا تهدر طاقات وتغيب أخرى عن الساحة، ولربما في إيماننا الأحادي الجانب، المبني على تخوين الأخر وإلغائه، يتفاقم النقصان، وتتعتم الرؤى، وليست هذه فقط تعيقنا عن اللحاق بمسيرة الشعوب المجاورة، بل الإيمان المطلق بسلبية الخلافات. وهذه أدت إلى عزل قوى لا تستهان بها، وأصبحت تكتفي بالنقد البعيد، وتترك الطرفين لتصعيد السلبيات. وكان بإمكان الأطراف الحزبية في جنوب غربي كردستان، إنقاذ المجتمع الكردي من السلبيات العديدة التي حدثت في المنطقة الكردية، ومنها كارثة الهجرة، وانقسام المجتمع بين بعضه، لو حاولت تجاوز القليل من الإملاءات الإقليمية، مع القليل من التعامل الديمقراطي بين بعضهم. 
   من النادر أن نجد على الساحة السياسية أو الثقافية الكردية رائد يتقبل النقد، ولا نقول التهجم، بمنطق الإيجابية، ويحاول التغاضي عن سلبياتها أو يترفع السقوط في مستنقعها، ويبين للكردي الأخر بأنه أثناء أو بعد النقد لم يخسر روح التحاور مع الناقد، أو الناقد مع المنتقد، كصديق أراد له الخير، أو لربما يريد تصعيد نتاجه، والمطروح لم يكن من عنت أو عداوة، ولربما خدمة بسطت له فيها رؤيته. والفردية هنا تجر وبنفس المقاييس على الحركة الكردية والكردستانية السياسية والثقافية، واحتمالات تأثير مواقف الحركة على الأفراد أعمقه، وبالإمكان أن تكون مدرسة لتلقين هذا النوع من التعامل بين المجتمع الكردي، وهنا تكاد أن تغيب دور النخبة والنهوض بالحركة ووضعها على سوية قيادة المجتمع بشكل سليم، لا للتهجم عليها وتقزيمها وتحطيمها، وحتى لو افترضنا جدلاً أن جميع الأطراف السياسية تمكنوا من تذويب بعضهم، أو تمكنا من القضاء عليهم، فالبديل لن يكون بأفضل من الموجود، لأن البنية التحتية الثقافية والمفاهيم هي ذاتها، فنحن من قاموا بإذابتهم نحمل الثقافة ذاتها، والبنية سهلة للقوى الإقليمية التغلغل في ثناياها، وخلق البديل الأضعف، لذا علينا تغيير ذاتنا قبل تغيير الحركة، وتقوية الموجود لا أضعافها وإزالتها…
 
يتبع…
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
10/24/2016م
المقال الافتتاحي المنشور في جريدة بينوسا نو العدد(54) الناطقة باسم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا.
  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…