نموذج المثقف الفاعل.. إلى حواس وماجد وهوشنك

حسن شندي
ندرك جميعا بأن المثقف بتعريفه الحقيقي ناقدٌ اجتماعي همه الاكبر تحديد وتحليل الرؤى وتوضيحها لتجاوز العوائق في مجتمع ما، وبلوغ نظامٍ اجتماعي أفضل أي نظام أكثر إنسانية وأكثر عقلانية، كما أنه الدينمو أو المحرك للتغير الاجتماعي والثقافي والذي يهيئ لتغيير سياسي ما فيما بعد واقتصادي أيضا في أية بنية اجتماعية كانت، والمثقف الفاعل باختصار وبقناعتي اعتبره الشخصية الأهم التي تهيئ لأي تغيير يحصل في أي مجتمع كان من خلال كسره لكل القواعد والقوانين القائمة حوله، من خلال لعبه للدوركـ:(وان مان شو) في كافة ميادين الحياة الاجتماعية، فالمتعلم ليس شرطاً أن يكون مثقفاً لكن من الممكن لأي فرد أن يكون في مهنة أخرى مثقفاً ويؤسس من خلال ثقافته لنمط اجتماعي جديد، لذلك ارى انه يمكن ان يلعب كل الادوار من خلال وجوده اصلا في شخصيات عدة على ان يساهم بالنهاية في تكوينة المجتمع والنهوض بوعي افراده لمواكبة هذا التغيير وتطويره وتنمية قدرات الحالة الاجتماعية ككل .
من هذا المنطلق استوقفتني العديد من الحالات من خلال مسيرتي الصحفية او السياسية او الثقافية حيث انني كنت اهتم جدا بتلك الشخصيات التي كنت التقيها او اتابعها نتناقش في مواضيع شتى اهمها الحالة الثقافية الكردية والهم الوطني الكردي والحلول الممكنه ، لقد كنت منذ شبابي احب الاستماع لاي شخص اشعر ان لديه فكرا حرا او رؤية تغييرية لواقعنا المعاش، ولقد ادركت من خلال سنوات عملي في الصحافة والاعلام والسياسية بأن هناك بعض المثقفين يجب أعطائهم حقهم في الاشارة إليهم على الاقل ودعمهم ان كان هناك سبل لذلك فواجبنا كشعب يريد أن يكون حيّا بفكره ونمطه وحالته الاجتماعية دون أن يفقد  فلوكلوره، وواجبنا أن ندعم هؤلاء الذين يسطرون ويرسمون الخطوط بكافة ألوانها، طبعا هنا في هذا المقال لا يسعني سوى أن اذكر بعض الشخصيات الصحفية او التي تكتب وتطلق العنان لأفكارها دون الالتفات الى ما يقيد الفكرة التي يطرحونها ودون أن يحقدو او يماحكو أحدا، فهم يكتبون ما يشعرون به ويقدمون رغم الظروف القاهرة إبداعهم بعد سنوات ألم مريرة في مجتمع لا يزال يعاني الكثير من التكلس، فهم ينقشون الأمل ليضربوا تخوم التبعية لبعض مثقفي السلطان أو السلطة، هم يتطلعون الى رسالة ناصعة البياض دون رتوش رسالة تشبه الرسائل التي سمعنا بها في الكتب، لذا فبودي أن أن أشير هنا الى كل من الكاتب والصحفي ماجد ع محمد من مدينتي عفرين، والكاتب حواس محمود من قامشلي الجريحة والكاتب هوشنك اوسي، ولقد تابعت ماجد وكتاباته فهو يكتب بشكل غزير دون توقف رغم أنه يعمل في تركيا لساعات طويلة، وما يكتبه يشد القارئ للاهتمام بهذه الشخصية الثقافية التي قضت جل عمرها بالتمرد والتنوير من دون أن تشعر بشرف الانتساب الى النخبة، إنما يبقى الأقرب إلى عامة الناس، كاتب شجاع يجعل أكثرية القراء يتابعونه كسهمٍ جديدٍ يضرب في الصميم، هو مستعد أن يواجه الجميع  بالمنطق والفكر الموضوعي ويعلن فشلنا ككرد في ما وصلنا إليه، هو يملك رسالة جميلة قصائد تجديدية بلغة بعيدة عن ما تعايشناه من قصص العشق والغرام الحبيبة أو الوطن إنه يغوص في أعماق الشخص نفسه ويبحث عنك من لعرّفك بكَ، لذا تراه يقول أين أنت وماذا تعمل هو يسأل الجميع دائماً يستفسر دائماً ويكتب دائما عدا عن أنه قارئ نهم فكم نحن مقصرين حياله وكم هو مبدع .
أما الاستاذ حواس محمود فهو غني عن التعريف فشيبه وعنفوانه وتمرده ولغته التوعوية وهمه في خلق جيل جديد إن كان  في شوارع القامشلي او أزقة كردستان العراق أو في ساحات الدنمارك اليتيمة، هو يبدع دائما أينما كان، التقيت به في كردستان العراق قبل سبع سنوات كان مصدوما وحيدا تعبا يسأل أسئلة كثيرة اهمها من نحن؟ واين نحن؟ وماهي قيمتنا كمثقفين لما نحن في هذه العذابات نجر اذيال الهزيمة والتبعية بين قامشلي واربيل وديار بكر؟ لماذا لا نرسم ملامح طفولة جديدة وجيلا يرسم اللوحة من جديد؟ انه الكبير حواس محمود الذي يعتبر كل شاب يبدع طفلا علينا ان ندلله الذي يتعلم دائما ويبتعد دائما ويحترق دائما ليشعل لجيل كردي شمعة من امل هو حر بفكره دائما فلا تخوم تغيره يعيش على ما قدمه الله  ويشرب قهوته المزهوة بالعنفوان ذاته.
أما الاستاذ هوشنك اوسي فهو يدلنا من خلال مسيرته على تجربة جديدة طريقا جديدا ارتدادا جميلا للخروج من آلامنا وانكساراتنا وانحساراتنا وانحدار اللغة في أفواهنا، أذكر انني عندما كتبت أول مقال لي في ألفين وأربعة بعد اغتيال الشهيد كمال شاهين، جلست وحدي تمنيت بعد تهديدات ال ب ك ك لي أن ينشق كل من في الجبال يهرب كل هؤلاء من معاقل هذا الحزب، لا لكي يتسلحو من جديد، بل لكي يكتبوا الامهم لابناء شعبهم كي يعلنو انهم فشلوا وان عليهم ان يبدأوا من جديد، سمعت بهوشنك وتابعت كتاباته أدركت أن هذا المثقف يملك من الشجاعة والحكمة مايجلعني مطمئناً بأن أبناء شعبنا الكردي سيكونون بخير فهناك من قال انني اعتذر وانني اتوسل إليكم أن تعيشو أحرارا إنه هوشنك اوسي باختصار منبر من منابر الحرية رغم اختلاف العديد معه لكنه يؤمن بأن هناك تغييرا قادما أكبر من أية تبعيه أو حزب أو لون تعايش معه لسنوات، ولو انكم تدركون كم حجم الضغط الذي يمارسه الفكر الابوجي في دماء منتسبيه وحجم الدمار في في خلايا الادمغة النظيفة البسيطة من ابناء شعبنا لادركتم كم هوشنك عظيم بمعاناته ونضاله، كنت انظر اليه واتوسم فيه خيرا عبر فضائية ال ب ك ك أرى في عينيه بانه ليس براضٍ عن شيئ ما أو ربما كان هكذا يتهيأ لي، فانا كنت اتمنى او اتوسم بمثقفيهم خيرا  إلا انني اعجبت بما أعلن عنه من انشقاق فكري بكل معنى الكلمة، من الصعب ربما من يستطيع رسم أبجديته من جديد في ظلمتنا وظلمته التي انارها سوى الكاتب هوسنك اوسي، اتمنى له ولكل من ذكرت الاستمرار فهم يقومون بعمل رائع هم بالمسيرة هذه يجددون خلايا التغيير في مجتمع لا بد وان يتغير وأنا وشعبي الكردي واجبنا ان نتذكر كل ما ألمحو اليه كلّ ما أرادوا ان نكون عليه وكل ألم عايشوه ودروباً وعرة قطعوها بأقلامهم بأجسادهم بإصرارهم كي لا نقطعها، هم مثال للأحرار المتنورين، بداية ظهور جيل جديد يشبههم إلى حد ما يعانق الفكرة قليلا وينبش عن ورود بيضاء سقطت منهم قبل الرحيل قبل أن يصبحوا ذكرى لاصدقاء لم نستطع ان نقدم لهم شيئا كمتنورين ماتوا في مكان ما، في قرن ما، في غرب ما، كي تعيش شعوبهم ظروف وأيام الحرية بأجمل ألوانها .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…