في ذكرى التأسيس

روني علي

   لعل من المفيد لنا، ونحن نحتفل بمناسبة، نحاول تجييرها وتسخيرها، وفق ما أنتجتها التشوهات التي كانت من نصيب العقل الحزبي الكردي، في صراعه مع الواقع والذات، وعبر عقود من الزمن، أن نعود إلى حيث الذات نفسه، بغية الدخول في مسببات الحالة التي نحن عليها من فعل منشطر، ورؤى مبتورة، وأطر متشظية، ناهيكم عن حالة التكلس في الأداء، حيال ما هو – يفترض أنه – من واجباتنا أو من موجبات وجودنا الحزبي المؤطر..
   لا أخفيكم أن الواقع المفروض علينا في البيت الكردي، وما يدار فيه من عملية صراع وتصارع، مشوه في البنى، ومأزوم في الأسس، يحلينا إلى حيث الابتعاد عن مجاراة الوقائع وفق استحقاقاته، بل يفرض علينا أن نكون مشغولين ومنشغلين في الذات والآخر، بمعنى آخر، لا يمكننا الركون إلى حيث الحراك ومقوماته ومستلزماته، بآفاقه وآلياته وأدواته، دون الخوض في جذور الأزمات التي تنتجنا، وكذلك الذهنية التي تقولبنا في الشكل الذي نمارس من خلاله هواجسنا ونزعاتنا، بل ونزواتنا أحياناً..
   نحن اليوم حيال عملية تسابق للاحتفال – وكل من جانبه – باليوبيل الذهبي لتأسي أول حزب كردي في سوريا، وفي سباقنا هذا، لم نحاول بعد، أن نمد بالأصبع تجاه مواطن الخلل، لا بل لم نمتلك الجرأة كي نجاهر الحقيقة لنقول؛ عن أي حزب نتحدث وعن أي ميلاد، خاصةً وأن الأم قد أنجبت في غمار المخاض ما أنجبت، حتى تهنا في حفظ المسميات والتسميات، وحتى كدنا في دائرة الغثيان، أو ضمن صراع المرددين لشعارات لم نفهم فحواها، بحكم الكم الهائل من الفطور والدمامل، التي تطفو على السطح بين الحين والآخر ..


   فعن أي حزب نتحدث وأي ميلاد، ثم من هو الوريث ومن هو المتطفل ..؟ من هو الذي يحمل تراث التأسيس ومن الذي شق عصا الطاعة في وجهه، وآخراً وليس أخيراً، من الذي حافظ على تلك القيم التي انطلقت منها وعليها التأسيس ..؟.
    ليتنا لم نفهم معادلة السياسة وألاعيبها، تلك التي تحول البسطاء إلى عتالين لآراء وتصورات لم يفقهوها، لكنهم على أتم الاستعداد لأن يخربوا من أجلها، وليتنا لم نستوعب أن السياسة في واقعنا تدار وفق المشيئة الميكافيلية، والتي تشرعن لكل شيء، حتى وإن كان من المحظورات، في سبيل الوصول إلى المبتغى، بغض النظر إن كان نبيلاً أو قميناً ..!؟.
   فما نحن عليه يجب أن يكون موضع الجدل والنقاش، كوننا وصلنا إلى حيث لا يمكننا من خلاله مجرد الرؤية إلى الأفق، وإن كانت القناعة تولد فينا شيئاً من الركون إلى جدليات، تحاول أن تمد بخيط الوصل بين ما يجري، وما هو قابع في أحشاء مجتمع مازال يرزح تحت وطأة الاضطهاد والتخلف، سواء السياسي منه أو الثقافي، وتؤكد بأن النخبة في واقع كواقعنا تتحول إلى أخطبوط في التفنن بمشاعر ومصائر البسطاء، وذلك عبر البعض من الولاءات والبعض من الإملاءات ..
   فلو تجرأنا قليلاً وتجردنا من لغة الصمت حيال ما هو قابع في جنبات الفعل الحزبي الكردي، لامتلكنا القدرة على التفوه بالبعض مما نعتبرها حقائق وقلنا بشأنها؛ أين نحن من الهدف الذي قد يخال للغير بأننا نختلف عليه وعنده، وأين نحن من البرامج التي تشكل عند البعض نقطة الخلاف والاختلاف، ترى أكل ما يجري لنا هو من نتاج البرامج والرؤية إلى الأهداف، أم أن المسألة في الكثير من جوانبها تدخل ضمن خانة المشيخات التي تبنى على حساب جهل التابعين بحقائق الأمور ..؟.


   فلو كنا نمتلك القليل من الوجدان في أدائنا السياسي/ الحزبي، لحاولنا بناء الإنسان الذي يستمد قناعته من وعيه ويحتكم في تحليله إلى المنطق، بدل من تجييره – ذاك المسكين – في حروب لا مصلحة له فيها في وجه الخصم والمخالف ..

فكم من مشاريع انهارت وخطوات وحدوية تراجعت حين كانت الممارسة من جانب أقطاب التوازنات باتجاه حشد البسطاء وتجييرهم في خنادق لا علم لهم بها ولا مصلحة لهم فيها ..
    وحتى لا أطيل، أود أن أهمس في القرب المقطوعة من جانب الذين يدعون بوقوفهم إلى جانب قضية شعبهم وعدالتها؛ كفى ثم كفى النفخ في مشاريع الحقد والبغض والتصارع، وإذا كان لنا أن نعمل، فإن البوصلة ستقودنا حتما إلى حيث فيه مصلحة شعبنا إذا ما أمتلكنا السبيل إلى حيث موضعها وموقعها ..

     

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

لماذا ” الحركة الوطنية الكردية ” ؟ ( ١٠ ) صلاح بدرالدين إشكالية الداخل والخارج : بين حين وآخر نسمع أصواتا – فيسبوكية – تدعو الى اسكات كرد الخارج ، ومنح احقية الكلام حول الشعب ، والوطن ، والقضية لمن هم بالداخل فقط ، وكما أرى : ١ – بسبب تعرض الكرد السوريين للاضطهاد القومي منذ الاستقلال وحتى يوم سقوط…

اكرم حسين يشهد تاريخ سوريا المعاصر مرحلة مفصلية، حيث يتداخل الحاضر بالماضي وتتراكم المصائر على مفترق طرق جديد يعيد رسم علاقات مكونات الدولة السورية ، وفي القلب منها المكون الكردي. فبعد الاتفاق الذي تم في 18 يناير 2026، تلت التطورات التي بدأت بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من دير حافر ومسكنة ، وتعرضها لهجوم من بعض أبناء العشائر العربية ،…

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….