الوطنية والإنتهازية كردياً

مروان سليمان*
النضال في سبيل القضية من أسمى النضالات و العبادات و أقل واجب يؤديه الإنسان في سبيل إرضاء شعبه و القيام بواجبه تجاه وطنه الذي تربى في كنفه و أكل من خيراته و شرب مائه و استنشق هوائه، نعم هذه فضائل الوطن على الإنسان و الواجب تجاهه يجب أن لا تفوت هكذا لكي تكفر عن بعض من ذنوبك و محو صفحات سوداء سواء من قبيح الأقوال و الأفعال و ما أحوجنا إلى ذلك في هذا الزمن الذي تطارد فيه الأعمال السيئة للإنسان و تلحق به حتى لو ذهب إلى شواهق الجبال و إذا كانت شعائر و مناسك الوطن بهذه المكانة السامية فإن معانيه و معاشرته و معايشته و أكل خيراته و القيام بالواجب هو من الأهداف النبيلة لا تتم إلا إذا تمسك الإنسان بمبادئه و قام بواجبه و خلع الأنانية و الحسد و الحقد و حب الإنتقام و البخل و القسوة و الأقوال الشنيعة و الكذب و الخداع و كل صفة ذات قيمة لكي يلبس ثوب الوطنية و القومية لتجده نفساً طاهرة ملؤها الحب و التواضع و القول الحسن و فعل الخير و نصح الآخرين و عفة اللسان و الصفح و الحلم و كل صفة طيبة مع التسلح بالعلم.
إن حب الوطن هو تدريب للنفس على كبت حب الذات و الأنانية و عدم إيذاء بني جلدته والإتهامات الكاذبة و الباطلة  لكل من يعارضه و المعاملة الأخوية الصادقة التي تعبر بحق عن الأخوية و الجدية و حسن المعاملة لتكوين علاقات و شيجة من أخوة الدم و إلتزام الآداب و الأخلاق الرفيعة و الترفع عن كل شنيع في القول و الفعل إحتراماً لقدسية الوطن و تقديراً لعقل المواطن، و أسوأ شئ هو إساءة الأدب تحت عباءة الوطنية و الشعب……..الخ، فعندما يكون الإنسان في وطنه يجب أن يتلبس شخصية قد بلغت من الكمال مرتقىً عالياً و من الأخلاق مكاناًسامياً و من السمو درجات تجعله في محل المستقيم و السوي الذي يستطيع أن يعبر عن هموم شعبه و وطنه في داخل وجدانه، و هنا لا مجال للمخاصمة في حب الوطن و بيع الوطنيات على الآخرين و لا مجال للمنازعة فيما بين المواطنين للبرهان على حب الوطن أيضاً و لكن تبقى العملية ضميرية.
الوطن يعني المساواة و توفير الأمن و ضمان الإستقرار و السلم الإجتماعي و يعني توفير فرص العمل للجميع و ضمان الحرية و العدالة و حمايتهما بالقانون و أيضاً مساعدة المحتاجين و الفقراء و توفير التعليم و العلاج و تقديم الخدمات العامة كالكهرباء و الماء. ومع أننا كشعوب شرقية لم نجرب طعم الحرية طيلة حياتنا و حياة أسلافنا و نعيش في دولة رعب و خوف من أنظمة الدولة نفسها و المواطن محروم من جميع الخدمات الأساسية و يقتل يومياً و يطرد من بيته و يتم تهجيره قسراً بعد أن يتم تدمير بيته و يرى بعينه كيف تتهاوى وطنه و يفقد رفاقه و يشعر بالضياع و لا يعرف شيئاً عن مستقبله الذي ينتظره.
لا يتردد الكثير من الإنتهازيين في إلقاء خطابات نارية عن الوطن و حب الوطن و لكنه في الحقيقة يسلب و ينهش في لحم الوطن و إذا ما سنحت له الفرصة في التملص و التهرب و لا يعود يفكر في الوطن  و لذلك فإن الإنسان الذي يقتصر وطنيته على تسعين دقيقة فقط يعاني من عاهة نفسية خطيرة في تكوينه الإنساني و يحتاج إلى علاج نفسي مكثف يعيده إلى رشده و عقله و يجب على المسؤولين أن يمنعوا مثل هذه النوعية من البشر حضور مناسبات و أماكن الزيارات لأن ذلك يسئ إلى كيان المنظومة و المجتمع برمته و يسبب المشاكل التي من الممكن أن تؤدي إلى تداعيات خطيرة على هذه المجتمعات لأن العلاقة المحترمة لا تعتمد أبداً على وطنية التسعين دقيقة.
إن المفاهيم المجردة المثالية ليست قريبة من الواقع، الواقع الذي يميل إلى الشغب و الفوضى و تغليب المصالح الآنية و الشخصية و لكنها متلبسة بمفاهيم وطنية مجردة من الإحاسيس و المشاعر، و مثل هذه الظواهر كادت أن تنتشر في كثير من المناطق و سببت الكثير من المآسي إلا إن المسارعة لمعالجتها بجد هي في ساعة حدوثها و منع إنتشارها و وضع الحلول اللازمة لها.
المشكلة الكبيرة هي أن البعض من الناس يعملون بكل ثقلهم في التجييش و الحشد في مناسبة أو غير مناسبة و ذلك عنوة من أجل كسر شوكة الآخرين أو القيادات التي لا تروق لهم سياساتها و يتنصلون من المسؤولية و لذلك نجد إنها مشاعر لا وطنية و لا تخدم قضية الوطن و المواطن و تضر بالسلم الأهلي و الإجتماعي و ستبقى آثارها تمتد لعقود من الزمن.  
 إن الإجماع الكردي في سوريا مهدد و إن أكثر ما يهدد هذا الإجماع هو السياسات المتبعة من قبل المعنيين و المتحكمين بزمام الأمور و إذا كان الإتفاق ضرورياً بين الأطراف الكردية لحماية أمنهم و مستقبلهم و وطنهم فإن السير في الطرق المتبعة يعد إنتحاراً سياسياً و عسكرياً و وطنياً بكل المقاييس.
 
*مدرس في المدارس المهنية بالمانيا
09.10.2016

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…