دلالات زيارة الحلبوسي إلى أربيل: قراءة في خريطة التوافقات والملفات العالقة

د. سيامند مزوري (محامي مستشار)

 

تكتسب الزيارة الرسمية التي أجراها رئيس حزب “تقدم”، محمد الحلبوسي، إلى عاصمة إقليم كوردستان أربيل، على رأس وفد قيادي رفيع المستوى، أهمية سياسية تتجاوز إطارها البروتوكولي، إذ تأتي في مرحلة تشهد إعادة تموضع للقوى السياسية العراقية في ظل استحقاقات داخلية وتطورات إقليمية متسارعة. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الزيارة بوصفها مؤشراً على حراك سياسي يهدف إلى توسيع مساحات الحوار بين القوى الفاعلة، وإعادة تقييم مسارات التعاون بين بغداد وأربيل في ضوء التحديات الراهنة.

وقد حمل مستوى الاستقبال الرسمي الذي حظي به الحلبوسي في مطار أربيل الدولي، بحضور القيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني هوشيار زيباري، ووزير داخلية الإقليم ريبر أحمد، ومحافظ أربيل أوميد خوشناو، دلالات سياسية تستحق التوقف عندها. فمثل هذا الاستقبال يعكس، على الأقل، وجود رغبة متبادلة في الحفاظ على قنوات التواصل السياسي وتعزيزها، ويأتي منسجماً مع توجهات قيادة الإقليم نحو توسيع الحوار مع القوى العراقية المؤثرة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بناء تفاهمات أكثر استقراراً بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.

وشملت الزيارة لقاءات مع الزعيم مسعود بارزاني ورئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، حيث تناولت المباحثات عدداً من الملفات المحورية، من بينها سبل تعزيز العلاقات السياسية بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحزب “تقدم”، وبحث القضايا المالية والإدارية والدستورية العالقة بين بغداد وأربيل، فضلاً عن مناقشة استكمال التشكيلة الوزارية لحكومة علي الزيدي، والتطورات الأمنية والاقتصادية التي تشهدها البلاد والمنطقة. وتكشف طبيعة هذه الملفات أن الزيارة لم تقتصر على الجوانب البروتوكولية، بل اتسمت بطابع سياسي يرتبط بقضايا لا تزال تؤثر بصورة مباشرة في مسار العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم.

ويبدو أن توقيت الزيارة يحمل أهمية خاصة، إذ يأتي في مرحلة تتجه فيها القوى السياسية إلى إعادة قراءة تحالفاتها استعداداً للاستحقاقات المقبلة، وهو ما يمنح أي تقارب بين القوى الرئيسة أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية ليشمل طبيعة التوازنات داخل البرلمان والحكومة. ومع ذلك، فإن من المبكر الجزم بأن هذه اللقاءات ستفضي إلى تحولات سياسية ملموسة، إذ إن نجاحها سيبقى مرهوناً بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية تعالج الملفات الخلافية، وفي مقدمتها القضايا المالية والدستورية والإدارية التي ظلت تمثل محوراً دائماً للنقاش بين بغداد وأربيل.

وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة زيارة الحلبوسي إلى أربيل باعتبارها جزءاً من حراك سياسي يسعى إلى إعادة بناء الثقة بين عدد من القوى الفاعلة، وتهيئة أرضية لتفاهمات قد تسهم في تعزيز الاستقرار السياسي خلال المرحلة المقبلة. إلا أن مدى نجاح هذه المساعي سيظل مرتبطاً بقدرة القوى السياسية على تجاوز الحسابات الآنية، وتغليب منطق الشراكة السياسية والمؤسسية في إدارة الملفات الوطنية، وهو ما سيحدد في نهاية المطاف ما إذا كانت هذه الزيارة ستبقى محطة بروتوكولية ذات دلالات سياسية، أم ستشكل بداية لمسار جديد من التفاهمات بين بغداد وأربيل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق ملا إنّ ما جرى في الأيام الماضية وبالتحديد في أرياف الحسكة والقامشلي الجنوبي ليس حركة عشائرية نابعة من وجع الناس.، ولا من قساوة المعيشة التي يعانونها ولا من قلة الخدمات المتردية في المحافظة ، بل هي ((حلبة فتنة)) قادتها أدوات مرتهنة للخارج وأجنحة ٍمتصارعة ٍفي الداخل تسعى لتوظيف آلام الأهالي. وتبقى الحقيقة الثابتة وهي : أن أبناء المنطقة والسكان…

نوري معزول إلى حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بعد كل هذه التضحيات التي قدمت تحت شعار أخوة الشعوب، ماذا تحقق سياسيا للكرد السوريين،وأين هي الحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا في الدستور السوري. أسئلة للنقاش .ماذا تحقق فعليا للكردالسوريين على المستوى السياسي والدستوري ؟ . هل كانت كل هذه التضحيات من أجل الوصول ألى مناصب إدارية مؤقتة ؟ . إذا كانت…

خالد حسو يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مرحلة تاريخية قد تعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وبين السلطة والمجتمع. فالتحديات التي تواجه المنطقة لا ترتبط فقط بالصراعات العسكرية والسياسية، بل ترتبط أيضًا بطبيعة النظام السياسي وقدرته على الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي، وبناء عقد اجتماعي يقوم على العدالة والمساواة وسيادة القانون. لقد أثبتت التجارب التاريخية أن إنكار حقوق الشعوب أو تأجيل…

سعيد يوسف   لم يتعرّض شعب في تاريخه الحديث إلى التهميش والإجحاف والظلم بقدر ما تعرض له الشعب الكوردي عموماً والكورد الأيزيديون خصوصًا. فعلى مدار تاريخهم الطويل المجبول بالدماء والإنكسارات والقهر، تعرض الأيزيديون إلى العشرات من جرائم القتل العمد والتصفيات الجسدية، وحملات الإبادة الجماعية، إبتداءً مما سمي بالفتوحات على أيدي الغزاة الإسلاميين الأوائل، ومروراً بالعصرين الأموي والعباسي وما بعدهما، واستمر…