ما هو الجديد في الحشود العسكرية التركية الراهنة..؟

صالح بوزان
salihbozan@hotmail.com

لم تكن الحشود التركية العسكرية السابقة، وتجاوزها للحدود الدولية العراقية تحتاج إلى التحليل لفهم أسبابها وأهدافها، عندما كان هناك تنسيق كامل بين تركيا ونظام صدام حسين، وبينها وبين أمريكا.

عندئذ كانت القضية الكوردية في الشرق الأوسط ورقة لا تستقطب اهتمام ومصالح أحد سوى الكورد.

لكن الأمر تغير اليوم نتيجة عوامل عديدة أثرت بشكل مباشر على القضية الكوردية، ولعل أهمها:
العامل الأول يكمن في بداية تناقض المصالح بين أمريكا وتركيا، هذا التناقض الذي تجلى برفض البرلمان التركي عام 2003 بدخول الجيش الأمريكي إلى العراق من الأراضي التركية.

وهذه المسألة لا علاقة لها بالسيادة التركية، بل هي نتيجة موضوعية للتغيرات العالمية، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وخروجه من المنافسة مع أمريكا على الصعيد العالمي، إلى جانب وجود علاقات أمريكية قوية اليوم ببعض الجمهوريات السوفيتية السابقة.
العامل الثاني هو انهيار نظام صدام حسين الذي كان يتآمر مع تركيا ضد القضية الكوردية.

واليوم ظهر نظام عراقي جديد، للكورد فيه دور فاعل ليس على الصعيد الداخلي فقط، بل الأهم من ذلك أن الكورد يشاركون في رسم السياسة الخارجية العراقية، ويحضرون مؤتمرات إقليمية ودولية لا يسمحون فيها بتمرير أية كلمة ضدهم.

وبالتالي فقد انهار التحالف السري التركي- العراقي، والتركي –السوري- والإيراني ضد القضية الكوردية.
العامل الثالث تجلى في بروز إقليم كوردي في كردستان العراق أخذ شرعيته من الشعب العراقي، هذه الشرعية التي تجسدت في الدستور الجديد، إلى جانب اعتراف الأمم المتحدة والشرعية الدولية عامة بهذا الإقليم في إطار عراق فدرالي.

لا شك أن هذا العامل بالذات أعطى حيوية جديدة للقضية الكوردية.

فإذا كان الكورد قد ناضلوا ببطولة وقدموا تضحيات جسام من أجل حقوقهم القومية في ظروف كان أعداؤهم يعزفون على نشيد اليأس الكوردي، فمع انطلاقة نشيد الأمل الكوردي في كوردستان العراق، ظهرت ثقة كبيرة عند الكورد بأن حقوقهم القومية ليست أحلاماً طوباوية، كما كان أعداؤهم يريدون ترسيخها في نفوسهم.
العامل الرابع، ولعله الأهم، وهو بداية تفسخ النظام الشمولي التركي الذي أسسه مصطفى كمال.

وكان فشل انتخاب رئيس جديد في الأطر الدستورية، وانقسام المؤسسات الديمقراطية ذات الطابع الكمالي مؤشراً هاماً على ذلك.

فالخلافات الحادة بين حزب العدالة وبين الأحزاب الشوفينيية العلمانية تشير إلى أن هذه المؤسسات الديمقراطية لم تعد تتلاءم مع التطور السياسي والاجتماعي الذي حدث في تركيا خلال العقود الأخيرة، مما ينذر بشكل جلي أن النظام السياسي التركي يغوص في نفق ضيق.

زد على ذلك أن الصراع في تركيا من أجل الدخول إلى الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يمر إلا من خلال التحرر من العبء الكمالي حتى تستطيع تركيا السير قدماً نحو التطور والتجديد حسب منطق العصر الذي في طريقه للتحرر من هذه الأنظمة التي تعود إلى القرن الماضي.
من هنا أعتقد أن الحشود العسكرية التركية الراهنة لا علاقة لها بالحزب العمال الكردستاني والقضاء على مقاتليه.

فلو كان الأمر كذلك، لكان من المفترض أن يسعى الجيش التركي أولاً للقضاء على هؤلاء المقاتلين الموجودين بكثرة داخل تركيا نفسها.

لا بد الإشارة هنا أن تحولاً جديداً حدث في بنية مقاتلي هذا الحزب.

فلم تعد بقية أجزاء كردستان تضخ المقاتلين إلى ساحة القتال كما كان يحدث في الثمانينات والتسعينات، فأكراد تركيا هم اليوم يقومون بعبء كفاحهم مع الجيش التركي.

والحقيقة التي يعرفها الجيش التركي قبل غيره أن القضاء على مقاتلي هذا الحزب أصبح صعباً جداً، وستبقى كردستان تركيا ساحة حرب حتى ولو احتل الجيش التركي مواقع مقاتلي هذا الحزب في كردستان العراق وطردهم من هناك، لأن المسألة الأساسية موجودة في الداخل التركي، وليس في جبال قنديل.


أعتقد أن الحشود العسكرية التركية الراهنة تهدف بالدرجة الأولى إلى القضاء على منجزات الكورد في كردستان العراق، أو تحجيمها قدر الإمكان.

خصوصاً أن حكومة إقليم كردستان العراق، رغم العديد من الملاحظات، تسير بخطوات ثابتة لترسيخ البنية المؤسساتية الحديثة والتنمية الاقتصادية والنهضة الثقافية والسياسية.

وبالتالي فهذه النجاحات تنسف المنطق التركي الكلاسيكي في التعامل مع أكرادها.

إن خشية تركيا لا تنبثق فقط من مسألة ضم كركوك والمناطق الكردستانية المقتطعة منها في عهد صدام(نتيجة التعريب) إلى حكومة الإقليم، وما سيخلق هذا الضم من قاعدة ديمغرافية وجغرافية واقتصادية لتنمية كبيرة، ستحول الإقليم إلى نقطة مضيئة في الشرق الأوسط.

بل يأتي خوفها الأكبر من مبدأ الفدرالية، ومبدأ عدم قبول التغييرات  الديمغرافية الشوفينية التي حدثت لأهداف عنصرية وسياسية.

فهذان المبدآن يقضان مضجع الأتراك، لأن النظام التركي طيلة تاريخه هو الآخر قام بشكل لا يقل شناعة من صدام حسين على صعيد تتريك السكان والجغرافيا.
إن هذه التحركات العسكرية الجديدة هي في الحقيقة رسائل متعددة ولجهات متعددة.

فهي رسالة إلى كورد العراق ليكتفوا بما حققوه حتى الآن، والتخلي عن المادة 140 من الدستور العراقي، و إلا سيتم القضاء على هذه المنجزات المكتسبة حتى الآن.

وهي رسالة إلى القوى العراقية الأخرى، بأن الوضع العراقي الجديد كله مهدد فيما إذا ذهبت هذه القوى العراقية مع المطلب الكوردي حتى النهاية.

لا سيما أن هناك أطراف عراقية داخل الحكم وخارجه تتفق مع المنطق التركي هذا تجاه الكورد، ولديها الاستعداد للانقلاب عليهم عند أية فرصة سانحة (وصرح بعضهم بذلك علانية).

كما هي رسالة إلى أمريكا، للضغط عليها من أجل تغيير موقفها من الكورد.

بمعنى إعطاء تصور لأمريكا أن نجاحها في العراق مرتبط بالوقوف ضد التطلعات الكوردية الراهنة في العراق، و إلا لن تكون للمصالح الأمريكية من موقع قدم بين العرب والترك والفرس.

وهذا الموقف التركي لا يأتي من فراغ، فقد وجدنا ملامحه في بعض التصورات الأمريكية من خلال تقرير بيكر-هاملتون.

في الختام أرى أن القضية الكوردية ككل، وعلى صعيد كل جزء من أجزاء كردستان قد خرجت عن أفق الجيش التركي وعن صلاحيات الأجهزة الأمنية هنا وهناك، بل هي لم تعد قضية داخلية لكل دولة من الدول التي تضم أجزاء كردستان.

لقد دخلت هذه القضية مرحلة جديدة، ومن المستحيل أن تستطيع  القوى السياسية والأمنية وحتى الجيوش من القضاء على اليقظة الراهنة في صفوف الشعب الكوردي، ليس على صعيد كردستان العراق فقط،، بل كذلك على صعيد تركيا وإيران وسوريا.

وكلما تمادت هذه القوى في ممارساتهما الشوفينية ضد الكورد، وحاولت التفاف على حل القضية الكوردية في إطارها الوطني حلاً عادلاً، كلما أدى ذلك إلى حالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

وبالتالي ستأخذ هذه القضية أكثر فأكثر الطابع الدولي.

لأن عدم الاستقرار في أية منطقة من العالم اليوم لها تبعات سياسياً واقتصادياً وأمنياً على العالم كله.

وهذا أهم سمة من سمات العولمة في القرن الواحد والعشرين.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نورالدين عمر ​تقف جميع القوى السياسية الكردية، في مختلف أجزاء كردستان، صفاً واحداً إلى جانب “روجافا” في هذه المرحلة المصيرية؛ إدراكاً منها لحجم التحديات والمخاطر التي تستهدف الوجود الكردي برمته. ولم يصدر عن أي قيادة سياسية كردية مسؤولة، في أي جزء من كردستان، اتهام أو تشكيك بقيادات قوات سوريا الديمقراطية أو بالإدارة الذاتية، بل على العكس تماماً، هناك إجماع…

سوسن ديكو ما جرى في تجربة الإدارة الذاتية لا يمكن توصيفه بوصفه فشلًا مجتمعيًا، بل إخفاقًا سياسيًا وإداريًا تتحمّل مسؤوليته القيادات التي صاغت السياسات واتخذت القرارات، لا القوى العسكرية ولا الموظفون ولا الفئات التنفيذية ذات الصلاحيات المحدودة. ففي كل تجارب الحكم، تُقاس المسؤولية بموقع القرار لا بموقع التنفيذ، وأي محاولة لنقل تبعات الفشل إلى الحرس أو الجنود أو العاملين في…

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….