دودة الكردي منه وفيه

عبدالعزيز التمو 
منذ زمن طويل ، اعتاد الشعب الكردي على نخر عظامه من داخله، والتجارب المريرة التي مر بها الكرد في أجزاء كردستان الثلاثة (ايران – العراق- تركيا) لم تكن في حسبان الأخ الاصغر للأجزاء الاخرى ، وهو كردستان سوريا.
 لقد كان الكرد السوريين وحركاتهم السياسية مسالمون يناضلون بصمت، وبظروف سياسية خانقة لكل حراك على المستوى الوطني السوري، ومحفوفة بالمخاطر على المستوى الكردي ، مع ذلك كانت الحركة السياسية الكردية السورية مصرة على الحفاظ على الهوية القومية للشعب الكردي في سوريا .
ورغم امكاناتها الضعيفة أو المعدومة كانت تتحرك وفق تلك المعطيات بين مد وجزر، وتشرذم ، وعدم اتفاق قيادتها السياسية على وحدة الموقف والصف ، وهذا كان نتيجة انعكاسات ما يجري في الأجزاء المجاورة ، والارتباط الشديد لقرار هذه الاحزاب بخارج حدود كردستان سوريا.
وفي مطلع ثمانينات القرن المنصرم، وعلى أثر الانقلاب العسكري التركي 1980، ولجوء العديد من قيادات الحراك الكردي الشبابي والعمالي من كردستان تركيا إلى سوريا ، واحتضان البعض منهم من قبل المخابرات السورية ، انقلبت المعادلة الكردية السورية حيث تم اختراع العدو الافتراضي لجميع الكرد في كل الاجزاء وتوجيه بوصلة الكرد للنضال ضد هذا العدو الافتراضي ( تركيا).
 ولا بل وصل الامر لدى قيادة هذا المولود الجديد المسمى بحزب العمال الكردستاني إلى انكار وجود شعب كردي في سوريا ، وجزء اسمه كردستان سوريا، واختزال قضيتهم بقضية المهاجرين اللاجئين الهاربين من بطش العدو الافتراضي التركي للشعب الكردي ، وبذلك تم تجنيد الإلاف من الشباب الكرد السوريين في صفوف قوات هذا الحزب، والتضحية بهم وهدر دمائهم من أجل تحرير وتوحيد كردستان الكبرى.
ومع ذلك لم تكن هذه السياسة التي اتبعها الحزب المذكور ذات تأثير كبير على الحياة السياسية والاجتماعية ، والتغيير الديمغرافي للمنطقة الكردية واختصرت على تعبئة الكرد السوريين ضد عدوهم الافتراضي ، واعتبار النظام السوري هو الراعي الروحي للكرد ، والاقليات ، ولا يجوز النضال ضده الا في الحدود الدنيا الغير سياسية، وتقديم الولاء والطاعة له . 
ومع مرور الأيام واندلاع الثورة السورية الكبرى ضد نظام الاسد والبعث في عام 2011، كان للنظام السوري سياسة ثابتة، واستراتيجية بالنسبة للكرد .
وهو في البداية تحييدهم عن المشاركة بالثورة مع السوريين ، لأنه يعلم بأن الكرد السوريين هم الأكثر تنظيماً، وخبرة سياسية ، ولهم تأثير كبير على الوسط السوري العام ، وبدأ في تطبيق سياسة قطف الرؤوس التي لها تأثير كبير على الشباب الكرد ، واعتقال القيادات الشبابية للحراك ، واغتيال قادة الحراك الفعليين، والشق الثاني من سياسته كانت تقزيم الحراك الشبابي، والثوري الكردي من خلال افراغ الثورة من أهدافها الفعلية الداعية إلى اسقاط النظام، واحلال البديل الديمقراطي الذي بموجبه تحل قضية الشعب الكردي في سوريا ، الى توجيه البوصلة بالتناحر السياسي أولاً بين الكرد أنفسهم، بين محور كردستان، ومحور قنديل ، والاهم من ذلك كله لم ينسى النظام بأنه ليس فقط التنسيقيات الشبابية والجمهور الكردي المستقل هو الخطر عليه، لا بل يجب انهاء محور كردستان ، وافراغ نضال أحزابه من مضمونها ، وكانت الطامة الكبرى عندما قدم محور قنديل الكردي السوري انبطاحه الكامل لمخطط النظام ، الذي فتح مستودعاته العسكرية أمام القادمين من قنديل، واستثمار الشعارات الزائفة بما يسمى ثورة روج آفا التي لا نعلم إلى الأن هي ثورة من، ضد من ، والأيام أثبتت أنها ثورة ضد الشعب الكردي في سوريا.
حيث استلام  وتسليم المدن وبسط سيطرة الميليشيات التابعة لقنديل (pkk) على زمام الأمور والتحكم بمصير الشعب الكردي بقوة السلاح ، وارتكاب المجازر بحق مخالفيه للرأي من الناشطين السياسيين والشباب ، مع بقاء محور كردستان متفرجاً ، وقد يكون موافق ضمنياً على هذه الاعمال التي كانت تخدم أجندات البعض منهم سياسياً على أمل الشراكة في السيطرة ، والسلطة، والنفوذ مع هذا المحور، لكن عدم وجود الحنكة السياسية والقراءة الموضوعية للأحداث لدى محور كردستان جعلتهم في مصاف المحكوم الذي ينتظر دوره في المقصلة ، وهذا ما حدث وذهب مريدو قنديل إلى ابعد من     ذلك ، حيث تحالفات القابعين في قنديل مع بعض الدول التي استثمرتهم في محاربة الإرهاب ، والتنظيمات المتطرفة داعش وأخواتها، وخدمة أجندات هذه الدول ، والغرور الذي أصاب القنديلين بأنهم رقم كبير في الساحة السورية ، والذي خلق عداوات كبيرة بين مكونات المجتمع السوري ، والصراع بين العرب والكرد الذي خلق نوع من الانتصار الوقتي لهذه الميليشيا ، لكنها زرعت عداوات للشعب الكردي في سوريا لن تذهب أثارها لسنين طويلة قادمة ، ناهيك عن هدر دماء الآلاف من شباب الكرد في معارك وأراضي ليس للكرد فيها لا ناقة ولا جمل، وبدون دراية للكرد السوريين المنخرطين في هذا التنظيم السرطاني تم  نفخهم كالبالون الهوائي الذي أصبح مليئاً بالهواء الساخن ، وأصيب بالتخمة الا أنهم لم يدركوا بأن الدول ليست جمعيات خيرية، او تكيات صوفية توزع ارزاق وخيرات بالمجان ، وخاصة بالنسبة للكرد ، إن هذه الدول الكبرى لن تتخلى عن مصالحها  مع دول الاقليم ، من أجل فئة من الناس باعت دماءها بأرخص الأثمان ، فمصالح الدول تقوم على المنفعة المستدامة المتبادلة، وليس الوقتية القصيرة ، وهذا ينطبق على دول قائمة وترتبط بمواثيق دولية عمرها مئات السنين .
وما الذي يمكن ان تقدمه مجموعة من العصابات التي بطشت بأبناء جلدتها بادئ ذي بدء، لكي تؤسس لمزرعتها ، ومن مبدأ من خان اهله لا يمكن ان يكون صديق لاحد.
 وبذلك بدأت عملية افراغ البالون من الهواء الساخن الذي نفخ فيه وبالعامية تنفيسه .
 والكرد السوريين ان لم يخسروا قضية الارض والشعب بعد فهم في الطريق الى خسارتها ، قضية شعب عاني مدة 100 عام من  الظلم ، والحرمان ، والاضطهاد ، وهذا كله بسبب دودة قذرة نخرت في عظامه حتى التسوس،  وبلاء للكرد ظهر من بين افئدة حركته السياسية ، ولم يهبط من كوكب اخر ، بلاء تصدير ثورة الابوجيين الى خارج حدود اقليمهم .
18.09.2016

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في مقالتها الأخيرة بالعربي الجديد ( عن نقاش المواطنة والأقليات في سورية ) ٥ \ ١ \ ٢٠٢٦ ، تعتبر الكاتبة السيدة سميرة المسالمة ” انني قولت مالم تقلها ” في ردي المعنون ” اعلى درجات التمثلية القومية ” المنشور بتاريخ ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ ، على مقالتها السابقة : ” “مواطنون في دولة سورية… لا مكوّنات ولا أقليات”…

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…