الشخصية الكردية -1/2

د. محمود عباس
  الأمة وتراصها تحتاج إلى الإيمان، وتستند على مدى ثقة أفرادها بالذات وبالانتماء إليها كحاضنة، والثقة مقياس لكينونة الشخصية المستندة عليها تماسك تلك الأمة أو هشاشتها، ومدى الإيمان بها، وهي من إحدى أهم عوامل تكوين الأوطان، وسيادتها، أو تشتتها، وقدراتها على مواجهة المتربصين، ورفض الإملاءات الخارجية أو الإرضاخ لها. 
  خوف الأنظمة الاستبدادية، من الشخصية الكردية؛ القادرة على قيادة الذات، وتنمية الإيمان بالتحرر وتعزيزها، دائم الحضور. تدرك بأنها في حال نهوضها ستتمكن من القضاء على معظم عوامل الشعور بالنقص، التي غرزتها على مدى العقود الماضية، وستنقلب المعادلة التي ترتكز عليها، لتحل محلها الإيمان بالوطن قبل الأحزاب، والقومية قبل القائد. تدرك هذه الأنظمة ولخبرتها الطويلة أن الكردي يملك من الإمكانيات الكافية لتحرير وطنه ذاتياً، إذا تبلورت الشخصية القويمة مع الإيمان الصادق، وتمت توجيهها بوعي. 
فالمخاوف تدفعهم للعمل على ضخ عوامل التشتت بين الشعب الكردي، وإلهاء النخبة بقضايا داخلية، متوسعا هوة الخلافات، وضعضعة الشخصية، وبالتالي إضعاف الإيمان بالذات. ومن جملتها: قضية تحديد الشخصية الوطنية ما بين الخارج والداخل، وتجريم البعض على خلفية الهجرة والتهجير، والصراع على إفراغ الوطن من الشباب، وقضية العلم كرمز حزبي أو كردستاني، وتخوين القيادات، وتسمية القوات العسكرية، وتقدير الشهداء، والدفاع عن الوطن، وتحديد العدو، والتعامل مع القوى الإقليمية، وعلينا ألا ننسى قضايا العلاقات التكتيكية أو الاستراتيجية، إلى استغلال البعدين المذهبي، والتقارب الفكري، وإثارة قضية الوحدة الطوباوي بين الأحزاب المتضاربة دون غيرها من الطروحات المنطقية، وغيرها من القضايا التي أولجتها الأعداء لإلهاء الشعب والحركة والنخبة بصراعات لا نهاية لها. وهو ما يجري حتى هذه اللحظة، ونجحوا فيها كثيراً، مستخدمين أحدث الأساليب. ونجاحهم تظهر في عدة جوانب، كقضية مطالبتنا من الأحزاب الكردية أو الحركة بشكل عام بالوحدة، وهي صعبة التحقيق، فالمنطقي هو أن نعمل من أجل تهيئة الأجواء للإجماع الكردي.  
   ينجحون في استمرارية الهيمنة على أطراف الحركة الكردية والكردستانية، وفرض التبعية، وإرضاخهم للاتكال عليهم، رغبة؛ أو مخافة؛ أو رضوخاً، مستندين على الواقع النفسي المتردي، والإيمان المتزعزع، الكامن في لاشعور النخبة، والمؤدية إلى ديمومة الشخصية الضعيفة، المدمرة للثقة بالقدرات الذاتية على قيادة مجتمعه دون الاستعانة بالقوى الخارجية، وهذه هي إحدى الغايات التي تعمل من أجلها الأنظمة المستعمرة لكردستان، ويسهرون على تغذيتها من أجل الاستمرار، بعوامل موضوعية وذاتية.
 بعيدا عن العلاقات التكتيكية أو الاستراتيجية التي تغطي تبعية الحركة الكردية للأخرين مرغمة عنها، لا يوجد حزب أو منظمة كردية على مستوى كردستان أو في الأجزاء، دون أن تكون مطبوعة عليهم (من صنع السلطات أو الأنظمة الإقليمية) أو أنهم يدورون في فلكهم، أو يتحكمون بأمورهم المربعات الأمنية. والجميع يتهمون بعضهم بالتعامل مع الأعداء، ويخونون القيادات أو الأشخاص المعروفة في الطرف الآخر، وجل هذه التقييمات تصدر من دوائر المربعات الأمنية، وتفرضها لديمومة الصراع بينهم، ولا علاقة لأطراف الحركة الكردية بها، فيما لو جردت من الإرضاخ للقوى الإقليمية، بل وعلى الأغلب، سينعدم التلاسن والتخوين أو أنها ستدنى إلى الحضيض لو تمكنت من تحرير شخصيتها.
  من المحزن، أن الشخصية المهزوزة لم تعد تنحصر في القيادات الحزبية، بل انتقلت بدورها وبإملاءات إلى شريحة واسعة من المجتمع، فتطمر معظم عوامل الإيمان بمستقبل ناجح، وتكاد تهيمن على النخبة، فلا تخف حدة الخلاف على قضية حتى تكون قد ظهرت أخرى بيننا، فمنذ فترة غير قليلة، بدأت تنتاب مسامعنا مقولات بائسة، تنادي بأن الذي لا يقف مع حزب ضد حزب، مسلوب الإرادة وانتهازي، أو ما شابهها من التهم، بل وأصبحت الشريحة المطالبة بالتحرر والناقدة للواقع الجاري أكثر الناس عرضة للتهجم، ويخططون لعزلهم عن المجتمع وتكتيم أصواتهم، بل وتصاعدت السخرية من مطالبهم، يدرجون مقولات كتاب مشهورين وسياسيين معروفين في التاريخ، حول الوقوف إلى جانب الحق ضد الباطل، وعدم السكوت على تعرية الطرف الآخر، وغيرها، متناسين أن معظم تلك المقولات عرضت كحكم وأمثلة في واقع الأوطان، والدول ذات الأنظمة والحكومات، وليست للواقع والظروف كالتي يعيشها الكردي، حيث الإرضاخ، والتشتت بكل أنواعها، وغياب الوطن، والأمة التي لا تزال تنخر فيها التآكل.  ومن المؤسف أن الأغلبية منا لا ينتبه إلى أن هذه القضايا تروجها السلطات الشمولية الاستعمارية، لتعتيم الرؤية، وتوسيع هوة الخلافات بيننا، وإدراج الشريحة الوطنية المطالبة، الثقة بالذات والتحرر من التبعية المرغمة، طرفا ثالثا في الصراع، لإضعافها، وتقوية الأطراف المتصارعة. ..
يتبعها صراع الأحزاب …
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
7/23/2016م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نورالدين عمر تتصاعد في الآونة الأخيرة أصوات بعض الناشطين والمثقفين المطالبة بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من اتفاقية 10 آذار، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: ما هو البديل الواقعي؟ إن الاندفاع نحو الانسحاب في ظل هذه الظروف المعقدة يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، منها: ماذا لو تحالفت السلطة في دمشق مع أنقرة لشن هجوم منسق على مناطق شمال…

هجار أمين في أروقة السياسة الكردية في أربيل ودمشق والقامشلي، تتناقل الأوساط السياسية أحاديث عن فصل جديد يُكتب في ملف كرد سوريا، فالرئيس مسعود بارزاني، بثقله التاريخي وخبرته الدبلوماسية، يبدو جاهزاً لقيادة مرحلة دقيقة وحاسمة، قد تُعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة. في قاعة مفترضة، تجلس وفود ثلاثة: ممثلون لسلطة دمشق بوجوه محنكة، تحمل ورقة “الوحدة الترابية” كشماعة لكل حديث. ومقابلهم،…

د. محمود عباس   في سوريا اليوم، لا يعود قصر الشعب مجرد مقرّ حكم أو رمز سيادي، بل يتحول إلى مرآة مكثّفة لانهيار فكرة الدولة نفسها. فهذا القصر، حيث يقيم الرئيس أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، يقوم فوق أرض رخوة من الشرعية المؤجلة، لا لأنه نتاج انتقال ديمقراطي، بل لأنه ثمرة تسوية دولية هشّة مع تنظيم كان،…

سيروان بركو   قرار قناة شمس بعدم بث اللقاء المسجّل مع رئيس سوريا في المرحلة الإنتقالية، أحمد الشرع، ليس تفصيلاً تقنياً ولا مزاجياً، بل موقف سياسي وإعلامي له وزنه وسياقه. قناة شمس هي قناة الرئيس مسعود بارزاني، والرئيس بارزاني يلعب اليوم دوراً محورياً في البحث عن حلول عادلة للكرد في سوريا الجديدة، وفي محاولة تجنيبهم مزيداً من الخسائر في مرحلة…