الكورد بين حق الدولة و مصالح أمراء و أيديولوجيات

 كوهدرز تمر
حق استقلال الكورد في كيان خاص بهم على أرضهم التاريخية كوردستان مشروع لا شك فيه كسائر الأمم و الشعوب ، و هو هدف دعا إليه الشاعر والمفكر الكوردي أحمدي خاني  قبل غيره من فلاسفة و دعاة القومية في العالم و الغرب خاصة بمئتي عام ، لكنهم بقوا ضمن آخر شعوب ترزح تحت نير الإحتلال و جور التقسيم و التشتت و الحرامان من أبسط حقوقه القومية و الإنسانية و هم يربون على الأربعين مليوناً.
الشعب الميدي الذي سقطت آخر إمبراطورياته قبل الميلاد ب5 قرون بإنقلاب أبيض و تسليمها للأخمينيين الفرس ومؤسس دولتهم كورش حفيد الملك الميدي أستياغ و بخيانة القائد العسكري هرباك، مازالوا ينشدون حقهم و إن أسسوا إمارات هنا و هناك في العصور الإسلامية و العثمانية، لكنهم أضاعوا فرصة تاريخية عند سقوط الرجل المريض و قيام دول بالعشرات على أنقاض إرثه و تحررها من تبعيته في بداية القرن الماضي.
قرنٌ من انتشار الفكر القومي في الشرق الأوسط جعل حياة هذا الشعب جحيماً لا يطاق على أيدي حكومات و سلطات الدول المقتسمة لكوردستان الأربعة (إيران -العراق -تركيا -سوريا) حيث قمعت ثوراته و استخدمت كل الأساليب الإجرامية و الأسلحة الفتاكة و سياسات الصهر القومي و التغيير الديمغرافي لأرضه .
سقوط المحور الشرقي و ما تلاه من متغيرات عالمية أفسحت المجال لشعوب كثيرة أن تتحر و تعلن عن دولها المستقلة في أوربا و آسيا و أفريقيا، و ما سميت بثورات الربيع العربي منذ سنين سبع غيرت كثيراً من معادلات المنطقة و كان غرب و جنوب كوردستان ساحتين -و لا يزالا – لهذا الصراع الذي يهدد بتقسيم سوريا و العراق و يؤكد يوماً بعد آخر استحالة العيش بين مكوناتهما التي جمتعها قرارات عصبة الأمم المتحدة و الإنتداب الفرنسي -البريطاني، و في خضم هذا الصراع تتشتت القوى السياسية الكوردية بين مؤيدة للفكر القومي و إعلان الدولة المستقلة و بين  مؤيدة  للبقاء ضمن هذه الدول بشكل ديمقراطي يحفظ حقوق الجميع و يؤسس لأمم ديمقراطية و متحدة .
الرافضون للدولة الكوردية و الفكر القومي الكوردي و على رأسهم حزب العمال الكوردستاني كان من أشد دعاة الاستقلال و توحيد و تحرير أجزاء كوردستان الأربعة حتى بعيد اعتقال زعيمه عبدالله أوجلان على يد المخابرات التركية و بدعم أمريكي ، و كان الحزب بتوجه قومي متشدد يرفض حتى تعلم الأطفال الكورد في المدارس التركية و يهدد و يقتل معلمي القرى في ريف شمال كوردستان و يطالب الشباب بالالتحاق بصفوفه و ثورته المسلحة و رفض الالتحاق بالجيش التركي المحتل و خدمته الإلزامية و يرى من لا يلتزم بقراراته عميلاً و قروجياً .
تغيرت إيديولوجية الحزب 180 درجة و بات يطالب بالدفاع عن وحدة و ديمقراطية هذه الدولة المحتلة و يرمي فكرة الدولة الكوردية في مزبلة التاريخ كما قال عضو قيادة الجناح السياسي للحزب في شمالي كوردستان خطيب دجلة و تبعه رضا آلتون عضو مجلس الحزب و منظومة المجتمع الكوردستاني ( ك ج ك) رافضين أن تكون كركوك و قامشلو كورديتين حتى !!؟
أما جناحه في غربي كوردستان حزب الإتحاد الديمقراطي  و منظومته الأوسع حركة المجتمع الديمقراطي (تف -دم) فيلجآن إلى التجنيد الإلزامي للشباب و الشابات الكورد في صفوف جناحه العسكري و يعلن نفيراً عاماً (سفربرلك) لأجل مشروع فدرالية الشمال السوري و تحرير مدن عربية بدماء كوردية ، و هو ما لم يحدث في التاريخ الكوردي قط ، و يؤكد على تناقض الحزب بين عقدين وذمّه  تهجمه و تخوينه لدفاع الكورد و استشهادهم في سبيل الدول المصطنعة على جسد كوردستانهم و من ثم نفيره العام لأجل الحفاظ على سوريا ديمقراطية بدماء و تضحيات كوردية رغم أن تجربة القرن الماضي ماثلة  للعيان والكورد دافعوا عن هذه الدول و كان نتاج اخوتهم مع هذه الشعوب الجارة مزيداً من الإنكار و القمع و الحرمان .
أما في جنوبي كوردستان فالفرصة أكبر للإستقلال و رئيس الإقليم مسعود بارزاني و حزبه الديمقراطي الكوردستاني مصران على إجراء استفتاء جماهيري أواخر هذا العام و العمل لأجل إعلان استقلال جنوبي كوردستان عن العراق في ظل رفض أحزاب سياسية رئيسية كالاتحاد الوطني و حركة التغيير، و بارزاني الذي يحارب تنظيم داعش الإرهابي و يواجه تهديداتً طهران و أتباعها في بغداد لم يلجأ إلى اي نفير عام أو تجنيد إجباري للشباب الكورد في صفوف البيشمركة حتى الآن و متوقع أن يلعن نفيراً عاماً و طوعياً عند الإعلان .
فهل يستغل الكورد هذه الفرصة التاريخية و يحققوا أحلاماً انتظروها قروناً ، أم يستمروا في العمل لأجل الآخرين جنوداً أوفياء مضحين و بيادق تحركهم الأجندات و مصالح لا ناقة و لا جمل لشعبهم فيها !؟
الأشهر و السنوات القادمة ستوضح للكورد المتباكين اللائمين أجدادهم على إضاعة الفرص التاريخية  أنهم أفضل منهم أو أنهم بنفس الطينة و الطيبة كما يقول أحمدى خاني و يستغرب ( مامة دِ حِكمتا خودى دة .. كورد دِ دةولتا دنيى دة ___ أيا بجِ وَجهي مانة مَحروم .. بالجملة بو  جِ مانة محكوم) ( مستغرب أنا من حكمة الله … الكورد في دولة الدنيا __ باي وجه بقوا محرومين .. جملة بقوا محكومين )

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عمار عبد اللطيف يتحضر السوريون الأكراد للاحتفال بعيد “نوروز”، الذي يأتي هذا العام في أجواء مختلفة بعد إقراره للمرة الأولى عيداً رسمياً في البلاد، عقب عقود من منع الاحتفال به من قبل النظام المخلوع. إلا أن التغيرات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام ستغيّر هذا العام وجه الاحتفال وشكله. ويترقب كثير من السوريين، ولا سيما في المناطق ذات الوجود الكردي،…

لوند حسين* يُقدَّم المطلب الكُردي في كثير من الأدبيات السياسية السائدة في الشرق الأوسط، ولاسيما أوساط الأنظمة الغاصبة (المُحتلة) لِكُردستان بوصفه تعبيراً عن نزعة «انفصالية»، غير أن هذا التوصيف يثير إشكالية مفاهيمية عميقة، إذ إن مفهوم الانفصال يُفترض وجود وحدة سياسية وطنية قائمة يسعى طرفٌ ما إلى الانفصال عنها؛ ففي الحالة الكُردية، تبدو الصورة التاريخية أكثر تعقيداً؛ فالمُطالبة الكُردية لا…

هوزان يوسف الجغرافيا الزمانية للألم والأمل لا يمثل شهر آذار في الوجدان الكردي مجرد حيزٍ زمني في تقويم السنة، بل هو “جغرافيا زمانية” استثنائية تختزل سردية شعبٍ بأكمله. في هذا الشهر، تتقاطع خطوط المأساة مع خطوط الانبعاث، ويتحول التقويم إلى سجلٍ مفتوح من الفقد والبطولة. بالنسبة للكردي، آذار ليس شهراً عادياً؛ بل…

أغيد أبو زايد للعام الخامس عشر على التوالي، يحتفل السوريون بذكرى انطلاق الثورة السورية التي تصادف في الثامن عشر من آذار من كل عام، حيث انطلقت الثورة في هذا اليوم بعد أن مرت بإرهاصات خلال الأشهر التي سبقت هذا التاريخ، مهدت الطريق أمام احتجاجات شعبية سلمية طالبت بإصلاحات واسعة، قبل أن يرفع السوريون سقف المطالب بإسقاط النظام، بعد أن…