كنا بفكر شمولي عقائدي فابتلينا بآخر – الجزء الثاني –

دلكش مرعي
السبب الذي يؤدي بالأفكار العقائدية الشمولية إلى الجمود والتكلس الفكري والتخلف والاستبداد والدكتاتورية تكمن في عدم قبولها للنقد أو التقييم العلمي الدقيق أو قبولها للتغير أو قبولها بسيادة القانون أو التنوع السياسي والفكري فهي عقائد جامدة ومتكلسة وأبدية وممنوعة من الجدل ولا تقبل الآخر المختلف فهي تعتقد بأنها وحدها تملك الحق والحقيقة والصواب فيؤدي جملة هذه الممارسات إلى وقف حالة التطور وسيطرة الجمود الفكري وانتشار الفساد والاستبداد السياسي وغيرها من الأمور الكابحة للتطور.. بينما في النهج الديمقراطي فكل شيء معرض للتغير والتطوير وإزالة الأخطاء وتطوير ما أنجز وقبول التنوع السياسي والفكري ولا يوجد ضمن هذا النهج أي خطوط حمر للنقد والتقييم العلمي الدقيق ولذلك تجده يتطور ويرتقي بشكل مستمر وعلى كافة الصعد .. فعبر التاريخ كان المتخلف يجهل أسباب تخلفه وفشله في الحياة ويرمي بهذا الفشل على من حوله ويخلق لنفسه أعداء وهميين ويبالغ في حجمهم ليبرر انكساراته و إخفاقاته ويحارب عبر هذه الأوهام طواحين الهواء ..
فلم يتحرر الكرد من عقيدة داعش السياسية التي خدرهم عبر ألف وأربعمائة سنة حتى ابتلوا بعقيدة ماركس الشمولية التي شلت وخدرت هي الأخرى العقل الكردي حوالي القرن من الزمن وخلقت له أعداء من وراء البحار وصراعا مجتمعيا وأحقادا وضغائن بين أبناء المجتمع الواحد وهمش عبر ذلك العدو المحتل الغاصب لكردستان بالإضافة إلى تهميش العدو الحقيقي للكرد الكامن في الفكر المتخلف الذي كان وراء تخلف الشعب الكردي التاريخي فقد أنزل أتباع ماركس القوة المتحكمة بمصير الكرد وقدرهم ومآسيهم من السماء إلى القوة التي تتحكم بقدرهم ومصيرهم على الأرض فقد أدعى أتباع هذه الفلسفة بأن العدو الأول والأكثر أجراماً بحق الشعب الكردي وما تعرض له تاريخياً من احتلال وظلم وجهل ومجازر وعوز وتخلف هذا العدو الذي تسبب بجميع هذه المآسي هو – الامبريالية الأمريكية – والإقطاع – وقد صدق الشعب الكردي المسكين هذا الاعتقاد الخاطئ وترسخت في أعماق أعماق تلافيف دماغه والغريب في الأمر بأن العدوين المذكورين لم يكن لهم إي وجود تاريخي وواقعي في كردستان فالأمريكان لم يحتلوا كردستان وهي دولة حديثة العهد .. 
وكما هو معروف فقد نال الشعب الأمريكي استقلاله من بريطانية في – 1783- وكان يعمل هذا الشعب في معظم عقود القرن التاسع عشر بالزراعة وقد تطورت أمريكا بعد ذلك تدريجيا بتبنيها الفكر العلمي والديمقراطي إلى أن أصبحت أعظم دولة في عالمنا المعاصر . فعبر تلك الإعتقاد الخاطئ أستوجب على الشعب الكردي المسكين الذي كان يعاني من الاحتلال والتخلف والفقر أن يحارب أعظم دولة كالوليات المتحدة الأمريكية فهي حسب أتباع ماركس هي المسببة لكل مآسي وبؤس ومصائب هذا الشعب وبقية شعوب العالم ؟؟؟؟ … 
أما النظام الإقطاعي الذي تناوله ماركس فقد ظهر هذا النظام في أوربا وكان نظاما سياسياً مستقلاً كبقية الأنظمة . فالإقطاعي كان له جيشه وقلاعه وحدود مقاطعته ويملك مئات الكيلومترات من الأراضي الزراعية ويحكم المقاطعة بمشاركة طبقة من النبلاء ورجال الكنيسة ويمارس الرق والعبودية على من يعمل داخل مقاطعته فقد كان نظام سياسياً عبوديا بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى فالفلاح كان يعمل في أرض الإقطاعي كعبد ولم يكن له أي حصة في الأرض وظهر هذا النظام في عهد سيطرة الكنيسة على القارة الأوربية ومع ذلك فقد تطور هذا النظام بشكل تدريجي بعد الثورة الفرنسية تحت تأثير تراث الإغريق الفلسفي والعلمي والديمقراطي فتمخض منه النظام البرجوازي وتطورت البرجوازية فأنتجت النظام الرأسمالي والسؤال المطروح هنا هو لماذا لم يجري هذا التحول والتطور لدى الشعب الكردي وهل ظهر مثل هذا الإقطاعي في كردستان ؟؟ – يتبع –

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…

سيروان بركو   بعد نكسة حزيران 1967، خرج جمال عبد الناصر إلى الناس. لم يختبئ خلف بيانات غامضة، ولم يُحِل الكارثة إلى “مؤامرات” و“ظروف دولية” فقط. قال بوضوح: أنا أتحمّل المسؤولية. ثم أعلن استقالته. لم تكن الاستقالة حلاً سحرياً، ولم تُعد سيناء، ولم تُرمّم الجراح. لكنها كانت لحظة أخلاقية نادرة تاريخية: لحظة يعترف فيها القائد أن الهزيمة ليست قدراً، بل…

جومرد حمدوش   لم تكن المعارك التي شهدها حيا الاشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب اشتباكا عابرا، بل شكلت محطة مفصلية انتهت بسقوط الحيين بيد قوات الحكومة الانتقالية. هذا التطور لا يمكن التعامل معه كحدث محلي محدود، بل يجب قراءته في سياق إعادة رسم موازين السيطرة بالقوة، وانعكاس ذلك على مستقبل مناطق سيطرة قسد، وخصوصًا منطقة الجزيرة التي باتت تمثل…