الأساليب الحديثة للمراكز الأمنية في محاربة الكرد – 2/2

د. محمود عباس
  المراكز الأمنية الحاكمة والتي هي السلطة الأن، بعدما كانت تابعة لها، خرجت شرائح عديدة من بين المجتمع، لتمزيق النسيج السوري بكل أطيافه، فوسعت محاورها واختصاصاتها، وتنوعت في طرق الهجوم على الشعب الكردي بشكل خاص، وتعمل على تطبيع القوى وشرائح المجتمع التي لا تزال متأثرة بمفاهيمها السابقة، وتحرك بدورها الشريحة المبثوثة ضمن المعارضة السورية، أو المتشبعة بالثقافة العروبية أو الإسلام السياسي العروبي، لمحاربة الكرد في كل المجالات، وتحت صيغ وأساليب متنوعة منها:
1-محاولة تحريف الصراع، من صراع كردي ضد السلطات الاستبدادية والمعارضة العروبية العنصرية، إلى صراع مع الأقليات المسيحية كالأشوريين والأرمن، والذين لم يكن بينهم يوما ما عداوة، وتدرك السلطات المحتلة لكردستان هذه الحقيقة، لكنها تنفث بينهم سمومها، على عتبة تاريخ أسود خلقتها بينهم السلطات الإقليمية المحتلة للكرد والأرمن والمسيحيين معاً فيما مضى، وتود إثارتها بخبث وخاصة في السنوات الأخيرة، وذلك على قدر تصاعد القضية الكردستانية. وقد سخرت لهذه المؤامرة مثقفين انتهازيين وأقلام مأجورة، وظفوا في المراكز الأمنية، لا ينتمون إلى الطائفة المسيحية الأثورية أو الأرمنية، مهمتهم خلق الفوضى التاريخية والسياسية، بينهم وبين الكرد، وترك المسببين الفعليين، والأعداء الحقيقيين لكليهما، وهؤلاء الموظفين المضللين أو الانتهازيين أو تجار الكلمة، ينتشرون بكثرة على مواقع الإنترنيت، كالأورينت وإيلاف والجزيرة والقدس العربي والحياة وغيرهم، منهم من يستلمون رواتبهم على قدر قذارة تعليقاتهم أو كتاباتهم التحريضية، ومنهم من يشفي غليله.  
2-محاولة إثارة مشاعر المسلمين، وخاصة بعد الموجة الإسلامية التكفيرية في المنطقة، من خلال تشبيه الكرد بإسرائيل، وأن العرب والمسلمين لن يسمحوا بإقامة إسرائيل ثانية في المنطقة، وجند لهذه الدعاية شرائح ومراكز دينية وقومية عروبية، مهمتهم التأييد في المواقع لكل من يهاجم الكرد، ودعم الأقلام المسخرة والموظفة لهذه المهمة، لتبيان رجحان كفة أعداء الكرد، في الوقت الذي لم يكن لهم وجود يذكر في بدايات الثورة السورية، وكانت الشرائح المؤيدة لحقوق الشعوب المحتلة في رجحان كبير، وبقدرة قادر تغيرت الموازين، بعد أن صرفت عليها الملايين من الدولارات، وهي تندرج ضمن الأموال المستثمرة في محاربة الكرد وتذويب قضيتهم وبالأساليب الحديثة. 
3- مؤتمر العالم الإسلامي المنعقد في استانبول يومي الخميس والجمعة الماضيين، ومن بشائعه، وقبائح العالم الإسلامي السياسي، أنهم طالبوا بحقوق جميع المسلمين في العالم دون ذكر الكرد ولو بكلمة، وكأنهم من خارج الجغرافية الإسلامية، وليسوا مسلمين، والتشويه لم يكن للكرد بقدر ما كان لقيمهم  وللفكر الإسلامي، وفرضوا السياسة على المفاهيم الإسلامية، وسخروا الدين لأجندات الطغاة والمستبدين، وعتموا على النص الإلهي، وكل ذلك لأنهم عقدوا مؤتمرهم في  حضن الدولة الطورانية العنصرية، والتي بإمكانها بيع جميع العالم الإسلامي من أجل مصلحة ذاتية. وجميعهم يدركون أن حرصها المشكوك فيه على العالم الإسلامي ليست سوى محاولة للضغط على الدول الأوروبية لقبولها، ورد فعل على نبذ أوربا لها، كما وأن تجميع هذا الحلف على أرضها محاولة لترهيب روسيا، أي أنه تسخير للإسلام بشكل قذر للمصالح السياسية. وجدلاً يتناسى العالم الإسلامي هذه الألاعيب، وأن تركيا دفعت بخمسين دولة إسلامية على تناسي أو طمس قضية الشعب الكردي المسلم، والجميع يعلم أنه تشويه سافر بالإسلام والمفاهيم والقيم الإسلامية الحقيقية، وبالنص القرآني، وفيه من الكفر ما لا يمكن تغطيته بأي فتوى إسلامية. والتشديد على التعتيم والإنكار، هي حرب مباشرة ضد الكيان الإسلامي الكردي الديمغرافي قبل الجغرافي، وكما ذكرنا سابقا فلنا في هذه المؤتمرات، ومثلها في التشبيه المذكور، رأي غير محبب لدى العابثين بالقيم الإسلامية، والمتغاضين عن العدالة الإلهية.
4-عرض تاريخ ملفق أو مزور، مكتوب ضمن أروقة المراكز الأمنية أو الثقافية العنصرية، ينشرونها بعد دبلجة السطور والتواريخ، وبطريقة وأسلوب أدبي رخيص. وتكرار عرضها وراء معظم المقالات والأدبيات التي تهتم بالقضية الكردية، تبين عن أنه مخطط قذر، ورائها قوى حاقدة، ولا يهمهم هنا إن كانت تعكس النصوص والمقالات المنشورة أم لا، وبالتأكيد لا علاقة لأصحابها بالنقد، لأن مهمتهم هي بث سموم السلطات في الشارع العام.
  الشرق الأوسط قادم على تغيير، في كل المجالات، من الثقافية، إلى السياسية، والجغرافية، والاقتصادية والاجتماعية، وبالتأكيد انهيار سيطرة الدين السياسي، والصراع المذهبي، والجارية ليست سوى بدايات المرحلة، فما يحدث ليست سوى مرحلة من عدة مراحل قادمة، قد تطول لعقود من الزمن وأكثر، واليوم هي فترة تسلط الانتهازيين، وتجار الحروب، والمنافقين، والأقلام المأجورة، وبائعي المفاهيم الوطنية في أسواق النخاسة، والعابثين بالقيم الأخلاقية باسم الدين، ومشوهي مفاهيم الوطن والثورة، ويضيع بينهم الوطنيون لقلتهم، وما يظهر من التهجم على الكرد والشعوب والطوائف المحتلة، من قبل هذه الشرائح المأجورة لدى السلطات والمعارضة معا وفي نسق واحد، ليس سوى انعكاس على أن قيمهم وأخلاقياتهم وثقافتهم تنبع من نفس المصدر، ويشكلون معا نظام واحد فاسد، وصراعهم ليس سوى صراع على السلطة ليس إلا، وما يقولونه في حق الكرد وقضيتهم ليس اعتباطيا، بل هو مخطط يلقن من قبل المراكز الأمنية للأنظمة الناهبة لكردستان والشعوب الأخرى، وبدونهم شعوب الشرق الأوسط ستعيش معاً بسلام، ولنا إيمان بأن عصر التنوير لشرقنا قادم أيضا، وإن لم يكن قريباً، وإننا اليوم نعيش نهايات عصر الظلمات.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com 
15/4/2016

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…