تركيا من صفر مشاكل مع دول الجوار إلى صفر علاقات مع العالم

فارس عثمان
عاشت تركيا منذ تأسيسها 1923 اضطرابات داخلية وعلاقات متوترة مع دول الجوار، في عهد كمال اتاتورك ومن بعده في ظل الأحزاب القومية التركية التي تسترت خلف الشعارات القومية الشوفينية ” كم أنا سعيد لأنني تركي ” وتعاملت بعدائية مع معظم دول الجوار التركي (( قبرص، اليونان، بلغاريا، أرمينيا، إيران، العراق، سوريا…)).
وسعى حزب العدالة والتنمية الذي شكل الحكومة في عام 2002 برئاسة رجب طيب أردوغان إلى الخروج من هذا النمط من السياسة ومن المشاكل الداخلية والإقليمية، بتحسين الوضع الاقتصادي التركي، وتطوير العلاقات مع محيط الدولة التركية والعالم، برفع شعار صفر مشاكل مع الجوار،
 واستطاعت على الصعيد الداخلي خلال فترة قصيرة تحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، انعكست إيجابيا على حياة المواطنين، والبدء بعملية السلام الداخلي مع حزب العمال الكردستاني، بالتنسيق مع زعيم الحزب عبد الله أوجلان، لاقت استحسانا داخليا وعالميا، وحققت الدبلوماسية التركية خلال فترة قصيرة نجاحات ملفته على الصعيد الخارجي، بتحسين علاقاتها مع معظم دول الجوار، وخاصة مع الدول العربية وكذلك مع القوى العظمى، فرغم تحسين العلاقات مع البرازيل والصين وروسيا الاتحادية – التي اصبحت أول شريك اقتصادي لتركيا -، بقيت علاقاتها متينة مع الولايات المتحدة، وتطورت العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع سوريا وتحولت إلى علاقات عائلية بين رئيس الحكومة التركية ورئيس النظام السوري بشار الأسد حتى تم إلغاء تأشيرات الدخول ” الفيزا ” بين البلدين وتباهي أردوغان بأن للدول الأوروبية نظام” شنغن ” وبيننا وبين سوريا ” شامغن “. 
ولكن هذا الأمر لم يستمر طويلا، فمع انطلاق ثورات الربيع العربي، وارتفاع اسهم التيارات الإسلامية في هذه الثورات أرادت الحكومة التركية استغلال هذه الثورات التي انطلقت من تونس في 17 كانون الأول 2010 بدعم التيارات الإسلامية سياسيا كما في تونس ومصر بدعم ” حركة النهضة في تونس، والاخوان المسلمين في مصر  “وفي ليبيا وسوريا، دعمت التيارات الإسلامية بالمال والسلاح، ومن خلال الموقف من الثورة السورية ظهر الوجه الإسلامي السلفي للحكومة التركية بدعم حركة الاخوان المسلمين منذ انطلاق الثورة في آذار 2011. ومن ثم الحركات المسلحة والجماعات المسلحة كجبهة النصرة، احرار الشام، كتائب السلطان مراد، لواء السلطان محمد فاتح…. 
 ونتيجة للموقف التركي الذي انطلق من معيار اسلامية الحركات والأحزاب السياسية، ونظرا لتباين مواقف الدول الإقليمية والعالمية من الثورة السورية،  توترت واضطربت علاقات تركيا أولا مع النظام السوري و بعض اطراف المعارضة ومن ثم مع دول الجوار، فساءت علاقات تركيا في البداية مع إيران والعراق لموقفهما المؤيد للنظام السوري، وهددت إيران تركيا أكثر من مرة، وخفضت الحكومة العراقية علاقاتها الاقتصادية مع تركيا وطالبت بسحب قواتها العسكرية من منطقة الموصل. أما مع روسيا التي تراجعت علاقات تركيا معها إلى الحضيض ووصلت إلى حافة الهاوية، حتى بدا أن الحرب بينهما بحاجة إلى مجرد شرارة، وخاصة بعد اسقاط تركيا للطائرة الروسية التي اخترقت حدودها.
 كما توترت علاقات تركيا وربما أكثر مع حلفائها فقد سحب حلف الناتو مهمة بطاريات صواريخ “باتريوت” الموجودة في الأراضي التركية، نتيجة موقف السلطات تركيا من تنظيم داعش الإرهابي والسماح بدخول أكثر من 20 ألفا من الإرهابيين إلى سوريا عبر أراضيها، ولممارسة الضغط على الدول الأوروبية سمحت بتدفق عشرات الآلاف من المهاجرين السوريين والعراقيين والأفغان والباكستانيين وغيرهم بالتدفق على أوروبا بشكل جماعي ومنظم، لإرباك الحكومات الأوروبية، وابتزازها لتبني الموقف التركي، ولكنها أخفقت في ذلك أيضا، لأن معظم الحكومات الأوروبية حملت تركيا مسؤولية تدفق المهاجرين إليها، وطالبتها بضبط حدودها.
 وانتقلت الخلافات التركية – الأمريكية من وسائل الإعلام ومن الكواليس الدبلوماسية إلى التراشق بين الدبلوماسيين الأمريكيين حتى وصل  إلى رئيس الجمهورية التركية ورئيس وزرائه والمتحدثين باسم الإدارة التركية، وازداد هذا التراشق بعد ان رفضت امريكا وبشكل علني الطلب التركي بإنشاء منطقة آمنة وحظر جوي في شمال سورية، واعتبار حزب الاتحاد الديمقراطي ” PYD” منظمة إرهابية. لهذا فأن العلاقات التركية – الامريكية في تراجع مستمر وصل إلى حد رفض الرئيس الأمريكي استقبال اردوغان في البيت الأبيض، وتحسين هذه العلاقات بحاجة إلى حوالي سنتين إذا ما أنتظر أردوغان الإدارة الأمريكية الجديدة.
وقد انعكست هذا التخبط والإرباك الدبلوماسي التركي على الصعيد الداخلي بخسارة الشركات التركية لعشرات المليارات من الدولارات كاستثمارات في الخارج، وتراجع قيمة الليرة التركية، وارتفعت نسبة البطالة، وإلغاء العملية السلمية مع حزب العمال الكردستاني، والقيام بقصف المدن والبلدات الكردية بما يشبه الحرب الحقيقة التي شكلت عامل ضغط إضافي على الاقتصاد التركي المهدد بالكساد أصلا، ونتيجة لكل هذه المواقف والسياسات، ونتيجة تأييد أردوغان العلني للجماعات المتطرفة والإرهابية في سوريا كجبهة النصرة وتنظيم داعش الإرهابي وبقية الفصائل السلفية المتطرفة، حدث نوع من التمرد عليه من داخل حزبه حزب العدالة والتنمية مما يهدد وحدة الحزب وبالتالي استمرار هذه الحكومة.
إن جردة حساب بسيطة لشعار أردوغان وحكومته تبين فشل هذه السياسة وعدم قدرتها على التأقلم مع المتغيرات الهامة التي حدثت في المنطقة والعالم، لاعتماد حزب العدالة والتنمية التوجه الإسلامي فقط كبوصلة لأخذ المواقف من الأحداث والمجريات في المنطقة أوصله ” أي هذا الحزب ” إلى طريق مسدود خاصة بعد فشل الأحزاب والتيارات الإسلامية وخاصة حركة الإخوان المسلمين في كافة الدول الإقليمية. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…