الكورد وذهنية القبلية والعشائرية في سوريا

جان كورد

ما يحز في النفس فعلا هو أن يكون من قادة
المعارضة السياسية عجائز من أمثال السيد محمود الدغيم الذي يحبذ –  كما نسمع – أن
ينادوه بالشيخ، والشيخ في العربية إما عالم ديني شهير، أو رئيس قبيلة أو عشيرة
كبير، وعندما يظهر على شاشات التلفزيون، فنراه يتسلح كل مرة بخليط من ذخيرته
الحربية التي تعود إلى مستودعات زمن الحرب الباردة، فهو ينشد الأشعار وينطق كحكماء
الديموقراطية بحقوق الإنسان والحيوان، ويدغدغ مشاعر المتدينين بذكاء الثعالب
الهرمة. ولكنه يدق على طبول فارغة… ولم يدهشني هذا الحاقد قوميا عندما أدار فوهات
مدافعه العثمانلية صوب الشعب الكوردي في إحدى الأقنية التلفزيونية المحترمة محرضا
على رفض التحالف والتلاقي مع ممثلي هذا الشعب لأن في ذلك “ضررا للقبائل والعشائر
العربية” في شمال سوريا، حيث سيقوم الكورد بتعريبها وتهجيرها !!! ،
 فكم هو ساذج من يعتقد بأن هذا العنصري العجوز من أيام ميشيل عفلق ومنذر الموصللي
ومحمد طلب هلال يستطيع إقناع الناشطين العرب الأحرار بأن ستالين الجيورجي هو من هجر
الكورد من الجمهوريات السوفييتية في عام 1936 فقدموا ليستوطنوا في المنطقة. حسب ما
يزعمه هذا الذي لا يستحق صفة “معارض سوري” أصلا؟ فهل الديموقراطيون والوطنيون العرب
عامة، ومن ضمنهم أبناء القبائل والعشائر في الجزيرة يجهلون التاريخ المشترك للشعبين
العربي والكوردي عبر العصور على أطراف الفرات والخابور؟ أم أنهم لا يعلمون بأن
ستالين المذكور قد هجر كورد السوفييت إلى عدة جمهوريات في الاتحاد الشيوعي وليس إلى
خارجه؟
سقطت من فم هذا الثعبان عبارة قد يكون سهوا، أثناء مقابلته مع قناة
أورينت بصدد العلاقة مع الكورد، حيث شدد على رفض الاتفاق معهم، إذ قال بأنهم
سيهجرون “عرب خط العشرة” من المنطقة، فقد لا يعلم كثيرون من المشاهدين والسامعين
ماذا يعني “عرب خط العشرة!!!”، وهذا الخط المشؤوم هو ما يسمى ب”مزارع الدولة” التي
أنشأتها دولة البعث العنصري العفلقي على أساس تنفيذ خطة من 12 نقطة لتهجير الكورد
من المنطقة الحدودية المتاخمة لتركيا والعراق وتفريغها من سكانها الأصليين وجلب
العرب من منطقة حوض الفرات “عرب الغمر” واسكانهم في ما يزيد عن 40 مستوطنة عربية
خالصة عرقيا، ومزودة بكل إمكانات السكن والعمل والإنتاج وتطوير الذات والدفاع عن
النفس، بل والاستمرار في انتزاع الأراضي من المواطنين الكورد الذين تم تجريدهم من
الجنسية السورية بشكل عشوائي ولا إنساني وتم مصادرة أملاكهم المنقولة وغير
المنقولة، دون وجود أي حكم قضائي بحقهم، سوى أوامر الطغمة البعثية الحاكمة، فالسيد
الدغيم لا يريد إقامة العلاقة مع الكورد ويحرض على عدائهم حتى لا يتم تفكيك تلك
المستوطنات في حال حصول الكورد على حقهم الشرعي في امتلاك ما أخذه منهم زعماء البعث
وسلموه لرجال القبائل والعشائر العربية ظلما وعدوانا، ويتجاهل هذا “العروبوي
العجيب!” أن دينه الذي يزعم الإيمان به يحرم الصلاة في أرض مغتصبة، فكيف يقول هذا
الكلام الذي يبين حقيقته الفاشية، وهو يدعي الإيمان بالأخوة الإسلامية والوطن
المشترك وبصون حقوق البشر؟ 
من الغاصب في الجزيرة فعلا؟ الكورد الذين يعيشون
فيها منذ قرون سحيقة في التاريخ، ولنا على ذلك إثباتات دامغة، أم عرب خط العشرة
الذين يرتعب السيد الدغيم خوفا من طردهم من المستوطنات التي أقامها حزب البعث
العربي الاشتراكي لهم بعد تشريد سكان المنطقة الكورد منها، بهدف التعريب وضبط
الحدود سياسيا وتحريم التقاء الكورد فيما بينهم على طرفي الحدود؟ 
بالتأكيد،
هناك عرب ناشطون سليمو التفكير وعارفون بحقيقة التغيير الديموغرافي الذي قام به
البعثيون ضد وجود ومصلحة التآخي العربي – الكوردي، ومنهم أبناء وبنات قبائل وعشائر
عربية أصيلة مع فكرة الحفاظ على هذا التآخي وترسيخه دون غبن أي كوردي أو عربي وعلى
أساس القانون والعدالة والسعي لديمومة الحياة المشتركة، ومنهم من يؤيد فكرة “النظام
الفيدرالي (أي الاتحادي) القائم على أساس الاتفاق والتحالف والتفاعل الطوعي الحر
ومنح كل ذي حق حقه، في سياق المحافظة على وحدة سوريا وضمان سيادتها واستقلالها
وترسيخ أمنها واستقرارها، بل منهم من يسعى حزبيا وتنظيميا مثل الناشطين من بني
قومنا لتحقيق الفكرة، وبرأيي أن من واجبنا دعم وتأييد هؤلاء المتنورين العالمين
بدقائق الأمور في الجزيرة السورية والذين تركوا جاهلية العروبيين العنصريين وراء
ظهورهم ليتفرغوا بشجاعة وتضحية من أجل بناء البيت السوري السليم على أسس متينة
يساهم في التخطيط والعمل له سائر مكونات البلاد الدينية والقومية دون استثناء. كما
أن من واجب هؤلاء الإخوة والأخوات التأكيد في مختلف نشاطاتهم السياسية والإعلامية
ولقاءاتهم الدبلوماسية على أن عهد الحزب الواحد قد ولى دون رجعة، وأن سوريا
المستقبل لن تكون طوع بنان العنصريين الحاقدين من أمثال محمود الدغيم ومن على
شاكلته بعد اليوم، وأن لا مستقبل لسوريا دون تضامن وتشارك سائر مكوناته القومية
والدينية على أساس من العدل والمساواة في الحقوق والواجبات، وليس القهر والعسف
والاقصاء. 
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…