دلالات بدء الإنسحاب الروسي المفاجئ من سوريا ومآلاته .

قهرمان مرعان آغا
لم يكن الدعم الروسي لنظام بشار الاسد المجرم خلال الثورة مفاجئاً للشعب السوري ، بل للعالم أجمع ، بمقدار ما كان بدء عملياته العسكرية من خلال قصف الطيران الحربي في 30/سبتمر، ايلول / 2015 لمواقع المعارضة المسلحة وكافة المدن والبلدات خارج سلطة النظام.  رده البعض حينذاك ، إلى توافق امريكي روسي ، والبعض الآخر الى استدراج روسيا للتورط في مستنقع الحرب الطائفية ، بدوافع  دينية مذهبية ارسوزوكسية ، من خلال مباركة الكنيسة الشرقية للقيصر الجديد بوتين ، بتوسيع نفوذ بلاده الى المياه الدافئة .
لم يحقق ذلك القصف الذي استمر أكثر من ستة أشهر ما كان يُنْتٓظر من قوات النظام وحلفاءه من توسيع للنفوذ  ، أكثر من مساحة الدمار الذي يحدثه القذائف والصواريخ من الجو بإتجاه الآمنين سوى مزيداً من القتل والدمار ، والدفع لترتيب اوضاع جديدة على الأرض ، وهذا ايضاً لم يحصل بدفع الخصم الى التنازل والرضوخ لقبول أي حل من شأنه الإلتفاف على التسوية السياسية وفق مرجعية جنيف (1) لعام2012. 
كما جاء التدخل الروسي مفاجئاً ، جاء قرار بدء إنسحاب قواته من سوريا في الوقع ذاته  ، وهذا يعني وقف العمليات العسكرية الجوية ، مع بقاء تلك القوات في معقلها في الساحل ، مطار (حميم)ومحافظتي طرطوس واللاذقية والمياه الاقليمية السورية في البحر المتوسط  ، للحفاظ على مكاسبه مقابل ضريبة إشتراكه في المعارك لصالح إسترتيجيته الجديدة والنظام معاً،  عندما يضطر الطرفان الى الإنكفاء نحو كانتون الساحل ، في معركتهم الأخيرة الفاصلة ، عند تعثر الحل السياسي . 
كما جاء الإنسحاب إنتصاراً للمعارضة السورية العسكرية بمختلف توجهاتها ، و زخماً معنوياً للمعارضة السياسية اللتي قد أنتهت للتو من جلستها الأولى في جنيف (3) .
نحن أمام سناريو استمرار الهدنة بالتوازي مع استمرار مفاوضات الحل السياسي  أو خيار  الإنتقال الى الخطة (ب) امريكياً وهي استمرار الحرب الى النهاية ، وفي الحالتين فرض الحل الفيدرالي وارد ، للحفاظ على الحدود السياسية الحالية للدولة السورية . 
يعود قرار الانسحاب الروسي الى عدة عوامل والكثير من الأسباب التي قد تفضي الى نتائج   : 
– ما دامت المفاجأة صفة ملازمة لقرار التدخل والانسحاب ، فهي اقرب الى الهزيمة والانكفاء منها الى الإنتصار او الإنتهاء من المهام . 
– الظرف السياسي والعسكري العملياتي لروسيا في اوكرانيا و جمهوريات اسياالوسطى ( القوقاز) ، لها أولوية سيادية وأمنية أكثر من سوريا 
– الوضع الإقتصادي المتراجع للإقتصاد الروسي ، بسبب تراجع اسعار النفط والغاز وبالتالي العقوبات الأمريكية والأوروبية وتأثيرها على عمل المؤسسات الصناعية والمصرفية و على  دخل الفرد ، مما انعكس على الوضع الداخلي ولشعبية بوتين ونظام حكمه المتناوب .
– يأتي هذا الإنسحاب بوضع النظام أمام خيارين أما الدخول بشكل جدي و مفيد في العملية السياسية او تقبل فكرة سوريا لا أسد ولا أحد ، اي سوريا متعددة بتعدد القوميات والطوائف والقوى كناتج نهائي للحرب .
– قد يكون لزيارة رئيس وزراء تركيا داوود أوغلو الى ايران ، وتوجس الدولتين من تصريحات الروس بخصوص الفيدرالية لسوريا ، وتحقيق أماني الشعب الكوردي في تقرير مصيره ، جزء من مجمل التأثيرات .
– بالتأكيد يأتي الانسحاب لمصلحة تركيا ، بإزالة التوتر بين الدولتين اللتين تربطهما الكثير من الملفات الإشكالية والصراعات في منطقة يتداخل فيها نفوذهما تاريخياً(عرقياً ودينياً ) وكذلك المصالح المتبادلة بين الطرفين التي اصبحت متلازمة للتهدئة وعودة العلاقات بين الطرفين .
– الإنسحاب قد يعزل النظام في الداخل والخارج ويعود الى حجمه الفعلي ، وقد يقلل من حظوظه في الإحتفاظ بدمشق العاصمة في حال فشل العملية السياسية ، ويمهد للخلاص بأي ثمن من رأس النظام والحلقة الأمنية والعسكرية الضيقة  المحيطة به كمنتج للإرهاب وكذلك يعطي فرصة أكبر للتحالف الدولي و القوى المحلية بتطويق داعش و إبادته بإعتبارة الأداة المنفذة للارهاب .
– هذا يعني ترجيح كفة الضغط الامريكي والقوى الإقليمية ، السعودية وتركيا سواء بالتوافق أو التهديد ، وبالمقابل ، انحسار نفوذ حلفاء النظام ايران و العراق الشيعي وحزب الله اللبناني . 
 – قد يدفع الانسحاب الروسي ، القوى الكوردستانية الفاعلة والاطراف المتحالفة معها من كافة التوجهات بمراجعة أولوياتها ، تناغماً مع تطور المستجدات في الساحة الاقليمية والدولية . 
نحن امام وضع طارئ للأزمة السورية المستدامة وهي تدخل في عامها السادس ، قد يكون مدخلاً لتوافق روسي امريكي على الحل  في العودة الى  مجلس الامن الدولي ، لدفع الاطراف والدول الاقليمية الداعمة لها الى الإلتزام بحل يفرض على الجميع ، يضمن حقوق السوريين بمختلف قومياتهم وطوائفهم ، في حال تعذر الحل السياسي التفاوضي ، للتفرغ لمحاربة داعش ، وما يسمى بأولوية القضاء على الإرهاب .  
في 2016/3/14

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…