قامشلي الوادعة في معادلاتها الموقوتة

إبراهيم اليوسف
استطاعت مدينة قامشلي والتي قال في اسمها الشهيد معشوق الخزنوي، قبل أشهر، من
استشهاده، ما معناه: إنها: قامشلو- وقامشلي- والقامشلي- وقامشلية إلخ، أن تكون إحدى
المدن التي استطاع الكردي فيها أن يتعايش مع جاره العربي، والمسلم مع جاره المسيحي،
والإيزيدي مع اليهودي، والأرمني، بل وأن يعيش هؤلاء كلهم كأنهم أبناء أسرة واحدة،
تُمحى الحدود بين أهلها، رغم أن النظام الدكتاتوري الذي حكم سوريا من أقصاها إلى
أقصاها حاول أن يتبع أحد أسوأ الألعاب القذرة، من خلال محاولته ضرب المكونات
المتآلفة وقد كان موعد قطاف ما زرعه في امتحانات عديدة، بدت على نحو واضح بعيد
انتفاضة الثاني عشر من آذار، وما تبعتها، من سلسلة محطات
حيث هرول القليلون من كتبة التقارير، والمعتاشين على فتاته إلى أحضانه، ليظل هؤلاء
معروفين للعيان، بيد أن سواد أهل هذه المدينة- وتكاد تكون صورة مصغرة عن منطقة
الجزيرة، بل المناطق الكردية- ظلوا متمسكين بالأواصر التي تربطهم، حتى بعد أن بات
هذا النظام يؤدي مسرحيته بوتائر عالية، منذ أن انضم إليها بعض المتطوعين، من
النهازين، بأسماء، وألقاب، وصفات معروفة من لدن جميع الأغيار من أبناء هذه المدينة
الاستثنائية.
لقد شكلت مدينة -قامشلي-  حالة حياتية جد مائزة، ضمن فضاء عوامها،
والعوام هنا هم بسطاؤها، ووجهاؤها، مثقفوها وكادحوها، بُناتها وصناع ملامحها،
ساستها المهمشون في العرف الرسمي وكل من كان يحافظ على -ماء روحه- لئلا تتدرن
بمغريات آلة السلطة الرهيبة، رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، وهوما جعل لهذه المدينة
ألقها، وإيقاع اسمها ليس في داخل محيطها -فحسب- وإنما خارج هذا المحيط: سورياً،
وعربياً، كردستانياً، وعالمياً. حيث كان اسم المدينة، ال” غرين كارد” الذي يمنح
ابنها -لأول وهلة- تأشيرة قبول من لدن الشرفاء “: أنا من قامشلي” يقولها أحدنا، في
تباه، قبل أن يعرف باسمه، أو حتى اسم أبيه، وجده، وعشيرته، بل وشهادته العلمية،
ووظيفته، وكانت العبارة كافية لكي تعطي مقاربات عن خصوصية أي منا، من دون أن يحيجه
الأمر إلى أن  يستزيد، وإن كان من حق أي من أبناء هذه الأسرة أن يمارس قناعاته، في
الشكل الذي يرتضيه، دون أن يسأله أحد: أمؤمن أنت أم ملحد؟، أتتوجه إلى المسجد؟، أم
الكنيسة؟، أم الكنيس؟، أمستقل أنت أم حزبي؟، إلى ما لا نهاية لها من مثل هذه
المترادفات، والثنائيات، أو ما فوقها. ولعل المثال الذي لايزال يحضرني، وهو مستقى
من تجربتي، من عالمي، وهي أني كنت أمنع أسرتي من شراء أي من أثاث مسيحيي مدينتي
المهاجرين، بل كنت وإلى وقت طويل أتجنب –قدر الإمكان- السير في تلك الشوارع التي
كان يقطن فيها أصدقاء سريان أو آشوريون أو أرمن اختطفتهم المهاجر، في وقت مبكر،
وكنت أتحدث عنهم كما يتحدث أي أمرئ عن أحد أفراد أسرته بعد أن استبد به الغياب. وقد
أبدو -مغالياً- وأنا أشير هنا -ولأول مرة ربما – إلى حقيقة اعتصار الألم قلبي،
عندما يتم ذكر أسماء من يهود مدينتي، الذين غدوا في إسرائيل، أو أمريكا، أو سواهما،
رغم أن معرفتي بهم، كانت جد متواضعة، لا تتعدى حدود أسماء طلاب علمتهم، وأحببتهم،
أو وجوه قليلة ممن كنت أعرف أسماء أصحابها، على انهم من يهود مدينتي، من دون أن
يتاح لنا التعارف عن قرب، والمثالان عيناهما، تكررا مع أصدقاء، ووجوه إيزيدية
مقربة، ذابت هي الأخرى في خرائط المهاجر .
تلك، هي صورة قامشلي، المدينة التي
طالما همشها النظام الدموي، من خلال حرمانها من الميزانيات التي توضع من لدن
المركز، كي يتم إعدام ثيمتها الجمالية، الفسيفسائية، بعد أن كانت – باريس الصغرى-
التي خطط نواتها المهندس الإيطالي” خرلمبو” قبل عقود، وهي تمضي الآن نحو -مئويتها-
بيد أنها تمكنت من تضميد جراحها.  غير أن هؤلاء البيادق الذين تم تكليفهم -في
الأمس- كي يختطفوا الشهيد الخزنوي، لتتم تصفيته، ولطالما كانوا خلايا نائمة، سواء
أكانوا في الداخل السوري- وهم لموجودون- أو ممن التفوا حولهم من أنجاس الأرض، غير
المنتمين إلى أجناسها، ما داموا من المسترزقين، باعة الذوات من أجل الدانق أو
الدينار، أو الدولار، ليكرروا جريمتهم، أكثر من مرة، من خلال مفخخي النفوس، الذين
سرعان ما يسلسون أمام أوامر تفخيخ الأجساد، لا يهمهم أياً كانوا ضحاياهم، تحت وطأة
خدر اليقينيات، أو العشبيات، أو حتى الكيميائيات، لا فرق، بعد أن تزين لهم الأمور،
على أن ما يفعلونه  هو سبيلهم الترانزيتي إلى حوريات، وفردوس، ودنان بل ينابيع من
خمر….!.
ثمة من هو معني بأن يحول سكاكر أي عيد جزري – وقامشلي- عاصمة الجزيرة،
وقلبها، إلى حبات علقم، يقطر منها الدم، لاسيما بعد أن تم استيراد  كل أشرار
العالم، مزودين بأطنان ال” تي إن تي” والأسلحة الحديثة، وقد قدم حي المفتي الحسكي
كوكبة من فلذات أكباده عشية نوروز السنة نفسها، التي راح هؤلاء أنفسهم يكررونها في
أكثر من مطعم قامشلاوي*: كبريئيل – ميامي، وهما من عداد سلسلة المطاعم التي
يحتضنها مركز المدينة، أو الحي الوسطي، وهم من أهلنا المسيحيين، الذين لما يزالوا
يواجهون مع سواهم من الأهلين صامدين في وجه كل التحديات، حيث ينفذ بعض الأزنام
عمليات إرهابية بحق بعض الأبرياء هناك: رواد المطعم، وعماله، كي  تلتحم أشلاء
أجسادهم المهشمة، و تختلط دماؤهم، بمختلف الزمر، المصنفة، كمحاولة جديدة في دفع
التهجير إلى أمداء أخرى، بعد أن سافر ثلثا المسيحيين إلى مهاجر العالم، وليتبعهم
ثلثا الكرد، كي تتغير ملامح هذه المدينة، وتشكل مقاربتها مما يجعلها جديرة
بالانتهاء إلى مقيرة-الإماروية- أو الاستخلاف وأنى لأصحاب هؤلاء الخطط، وسواهم، من
جر المدينة إلى مثل هذا المهوى، المستنقعي، الذي لا يليق بجغرافيا روحية، وتاريخ
حضاري، صنعته المدينة، عبر عقود عمرها.

 

صفيح في أقصى درجة
الالتهاب
:

 

إن حياة أبناء هذا المكان يفرض على أشرافها
ضرورة أن يعيدوا النظر في استراتيجياتها الأمنية، كي تتم الإشارة إلى الخلل،
ويقال:” هوذا.!”، لاسيما بعد أن تكرر في مكان لما تصله آلة الحرب، وإن كانت تضاريس
متراساتها: النظام وشبيحته من جهة- وحماة المدينة، من جهة أخرى، بمسمياتهم،
الناقصة، تدعوها لأن تكون عبر هدناتها الموقوتة مسرحاً لكل دخيل قادر على أن يثير
أية خطط من شأنها الإجهاز على جميع من هناك، في ظل  المعادلات المرسومة، ارتجالاً،
وخطأً، وإن كان يسجل للحامي الكردي- وهو محور حماية الأهلين لاعتبارات خاصة- أنه
وراء ديمومة الحياة، على ضآلتها، وعرجها،  ووراء استواء طرفي المعادلة التي لا
تجبر، في ظل تفاعل التناقضات التي لا تلتقي إلا في الذهنية التي لم تنطلق-أصلاً- من
قراءات المكان، وأهله، بعد أن استؤمر الطارئ، وأقصي العارف بالشأن، بعيد تخاذله،
وانشغالاته، وذرائعه التي كانت جزءاً من هذا الهيار المؤجل، وهذا الواقع المصطلي
على صفيح مصطل، ملتهب….!.
هذا الواقع يفرض على كواهل الشرفاء- وهم معلومو
الهوية- أن يحصنوا دفاعاتهم، كي يكون اسم المدينة سورها العالي الذي يمنع تسلل
مرتزقة الأرض، من الإرهابيين، إليها. إذ لا يزال المجال مفتوحاً، رغم كل الخراب
المستحدث، كي تتعاضد السواعد، وهي تتخذ أمكنتها في الخنادق، على اختلاف هويات أهل
المكان، وهو ما أشرت إليه، قبيل الثورة السورية، كي يعود الأمان والأمن إلى هذه
الحديقة الغناء، بعد أن بدا كل شيء في عراء ساحات الذبح، وهدر الدماء، لأن المعركة
وصلت إلى مرحلة الوجود، أو اللاوجود، وهو ما يستدعينا -كمبتعدين أو مبعدين- عن
المكان أن نسعى لإيجاد تلك الحالة التي لما توجد بعد، وتسمح لنا، بالعودة للانخراط،
في هذه المعركة الموجودة، بعد خمس سنوات، من محاولات إبقاء المكان، كما هو مرسوم
له، من لدن من هو وراء كل ما يجري في المنطقة كلها، على أيدي النظام المجرم، ومن
وراءه، ممن بانت ملامحهم، وهوياتهم، وما عاد هناك أي مجال للمراوغات أو
المناورات..!.
*مجزرة
30-12-2015 في قامشلي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…