باسم الإدارة الذاتية أعدمْتم كل ذات فينا

 ابراهيم محمود
وبعد كل هذا التشويش على روجآفا Rojava،
جغرافيا وتاريخاً، شعباً وثقافة، فكراً وسلوكاً، بعد كل هذا التشويش على الكورد
باسم مستتر وليس مستتراً، بعد كل هذا التشويش على منطق السياسة ومنطق التاريخ ومنطق
الاجتماع، حيث لم يعد في وسع أي عالم سياسة ومؤرخ واجتماع فهم ما هو قائم وفاعل،
بعد كل هذا التشويش على كل ذي عقل، مهما كان موقعه، وعمره الزمني، وقد أفقده ” منطق
” الإدارة الذاتية الروجآفاوية كل رشد كان، كل صبر كان.
وبعد كل هذي السنين من
المراوغات على الكرد وهم يصبرون ويصبرون وأعيا صبرهم كل صبر والكرد في تناقص : بين
هارب بجلده، ومنتحر في صمت، وحانق على كل شيء، وباحث عن أي شيء إلا أن تكون الكردية
فيه، بعد هذه السنين من التفقه باسم دم الشهيد وقهر الشهيد الذي اضطر أن يكون شهيداً،
ورغم أنف الوالدين والأهلين لأن تُعلَّق فوق صورة الشهيد الكردي صورة القائد الطالب
بالمزيد والمزيد من الشهداء، ليثبت الناطقون باسمه أو المكلفون باسمه للعالم أجمع
ولأمة الكرد قبل كل شيء، أي في القرب، لشعبهم الذي لم يعد يثبت إلا على قهر صباحاً
وعلى رعب مساء، أن كل شيء على ما يرام، طالما نهر دماء الشهداء الكرد يتدفق، وليس
من أحد إمكان الجهر بالقول دون توقع العواقب الوخيمة: هذا لا يطاق! بعد كل هذي
السنين من العزف على وتر الكردايتي، ولم يعد من وتر، بعد كل هذي السنين من التجارب
المريرة على شعب أكرِه فيه كل حب للحياة، بعد كل هذي السنين من الإيقاع بالصغير
والكبير في فخ البطولة الكردية التي يهتدي بها أعداؤه .
وبعد كل هذه الحواجز
التي تمنع من التفكير في المختلف، حتى ولو في عالم الأحلام، هذه السواتر الترابية
التي تطال كل جهة حتى أسطح البيوت الأهلية باسم الحماية الأهلية، هذه الملاحقة
الليلية والنهارية لكل من أراد أو يريد أن يعرّف بكرديته خارج المقرّر في منهاج
الإدارة الذاتية، بعد كل هذا التكبيل والتمثيل في مشاعر مئات الألوف من الكرد،
والدفع بهم لأن يكونوا كما يطلَب منهم أو ليغادروا البلاد التي عرفت كرديتها دون
رجعة، وأفقدها جنون كردية الإدارة الذاتية كلَّ مسحة من الكردية المطلوبة، بعد كل
هذه المطاردات والإشهارات بكل من يقول لا لهذا الذي يطال أمن الكردي، يتهدد نبضه،
يتهدد الرضيع وهو يلقَّم ثدي أمه المرعوب من ظل الأسايشي القارس أو من يمثّله، بعد
كل هذا السجن الكبير المترامي الأطراف باسم الكردية غير المسبوقة وهي تشرذم البيت
الكردي على رؤوس أهليه، والحارة الكردية وهي مقطعة الأوصال باسم الحماية الشعبية،
والتفتيش في الذهاب والإياب دون خجل، وليس من اعتراض، أو فالسجن في الانتظار،  وحتى
الموت الزؤام في الانتظار، بعد كل هذا التباهي باعتقال أي صوت يُشك في أمره، حتى لو
كان ضحكة طفل لم يسنن بعد، بالقبض على ” نهد ” أي فتاة كردية، لأنه تنهَّد أكثر مما
هو مقرَّر له، على أي عاجز عن المشي اشتباهاً في أمره، وإطلاق الرصاص في الهزيع
الأخير من الليل إعلاماً بأن كل شيء تحت السيطرة، وليعلم الكردي أن الإدارة الذاتية
في مستوى اسمها، حتى لو أن البلاد قد فرغت من أهلها، حتى لو أن كل ذي قلم يبصر
حقيقة ما يجري، بالكاد يعثَر عليه جرّاء التربص في صريره.
بعد كل هذه الحدود
الممتهنة والمخروقة والملغومة من قبل الأعداء في الجهات كافة ولا مقاومة، بعد كل
هذا الضخ من الشعارات واليافطات التي ترفع من شأن الكردية باسم ديمقراطية لا علم
لأي ديمقراطية بها .
بعد كل هذه الاعتقالات الكردية للكاتب والصحفي، والإهانات
الكردية، والتعسفات الكردية، والاستخفافات الكردية في عهدة الإدارة الذاتية، لم يعد
في الوسع الصمت على ما يجري باسم هذه البدعة المريعة ” الإدارة الذاتية “، بعد هذا
التطاول على كل ذي رشد، كل ذي حكمة، كل ذي أهلية تفكير، كل ذي طموح مثاب عليه،
والطعن في لائحة حقوق الإنسان الكردي وكرامة الإنسان الكردي، وحرية رأي الإنسان
الكردي.. بعد كل هذا الذي يجري في وضح النهار، أسدل الستار الأسود على الإدارة
الذاتية، وأبرئ ذمتي من كل ما يعنيها أو تزعمه من الكردية، وقد أعدمتْ في كل كردي
ذاته ليكون ألعوبة ممن يستعجل نهايته.
دهوك، في 25 كانون الأول 2015

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…