الآبوجية والفن والمعرفة: مقال قابل للنقاش دون شتائم.

جان دوست
لم يفسد حزبُ العمال الكردستاني القوميةَ الكردية فحسب بقراءاته “القازيمازية” للكردايتي
وتقلباته الدراماتيكية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من الحرب في سبيل الاستقلال
إلى الاكتفاء بدمقرطة تركيا، من توحيد كردستان وإنشاء دولة مستقلة إلى مجرد إدارة
ذاتية لا تتطلب سفك دم من أصبع رجل كردي أو امرأة كردية واحدة.
لقد أفسد هذا الحزب حتى الذوق الكردي الفني العام. إنه لم يستطع خلال أكثر من
ثلاثين عاماً أن يُظهر إلى الوجود فناً ملتزماً جميلاً بل جُلُّ ما أنتجه لا يعدو
“طرباً شعبيا” لا يختلف عن “أغاني الكراجات” و موسيقى “شوفيرية سرافيس الخدمة” في
بلاد الشرق إلا في الكلمات المبتذلة التي تدعو فقط إلى الموت في سبيل “الآرمانج” أي
الهدف وهو الذي مهما تغير فحواه فإن موضوع الموت لأجله لا يتغير بل تبقى الدعوة
مستمرة إلى الموت من أجل أهداف الحزب حتى لو كان “منصب مختار” قرية نائية.
مات
الكرد في تركيا لأجل كردستان المستقلة ويموتون الآن لأجل هدف غامض هو بناء أمة
ديمقراطية لا أحد يملك تفسيراً جامعاً مانعاً له. ويمكنك أن تقيس حالة الموسيقى
والغناء على حالة الأدب والرسم وغير ذلك من حقول الفن.
وبالإضافة إلى إفساد
الذوق الفني العام فقد تمكن حزب العمال الكردستاني من إفراغ الكلمات ذات الوقع
المعرفي الخاص من معانيها الكبيرة. فقد ملأ هذا الحزب قارة أوربا وكثيراً من مدن
تركيا وكردستانــ”ها”بأوكار حزبية أشبه بمحافل ماسونية سماها “معاهد” فهناك المعهد
الكردي في .. والمعهد الكردي في.. وبحكم احتكاكي المعرفي السابق ببعض هذه المعاهد
فقد عرفت يقيناً أن هناك بعض المخلصين فيها يحاولون تقديم شيء مفيد إلا أنهم مقيدون
بالحزبية الكريهة ولا يملكون حرية الحركة إلا في نطاق ضيق.
لم تستطع كل هذه
المعاهد إصدار جريدة أدبية واحدة باللغة الكردية يمكنها أن تحافظ على اللغة الكردية
في المهجر، كما لم تتمكن بل لم ترد هذه المعاهد من فتح مدارس كردية خاصة ملزمة
لأبناء الجالية الكردية في أوربا في حال أن الحزب بإمكانه أن يجمع في صالة “آرينا
في مدينة غيلسن كيرشن الألمانية” مثلاً أكثر من عشرين ألف شخص لمجرد الاحتفال بيوم
ميلاد عبد الله أوجلان وبيع صندويشات الشاورما لشراء مزيد من السلاح للاستمرار في
الموت لا الحياة. بإمكان هذا الحزب أن ينظم مظاهرة من مئة ألف شخص في ستراسبورغ
لكنه لا يفتح مدرستين كرديتين لتخريج مدرسين كرد (إلا في نطاق ضيق وبمبادرات شخصية
جداً من ناس منتمين إلى وسط هذه الحزب شكلياً).
أما “الأكاديميات” التي نسمع
عنها فهي “اسم كبير على ضيعة خراب” إذ كلها “حكي بحكي” والقائمون عليها ليسوا سوى
ببغاءات حزبية لا تفقه في فروع المعرفة حرفاً واحداً. وليست الغاية من هذه “المعاهد
والأكاديميات” سوى الدعاية الحزبية المحضة والتي لا يمكن للمرء إلا الاعتراف بأن
حزب العمال الكردستاني حاز قصب السبق في هذا المجال.
القازيمازية: نسبة إلى
قازيمازي وهي لفظة شعبية تُطلق على حشرة تتلون بألوان عديدة في الضوء.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…