وعلاقة الفكر أصدق وأرفع العلاقات.. شهادة في مشروع صبحي الدقوري

*إبراهيم البليهي

ليس أصدق ولا أرفع
من علاقات الفكر فهي صادقة لأنها لا تنشد سوى الحقيقة ولا تهتم إلا بأرفع تجليات
الإنسان كما أنها لا تسعى لمنفعة مادية وهي رفيعة لأن الفكر في تجلياته الناصعة
المجردة هو ذروة العطاء الإنساني…
لذلك ابتهجت حين أبلغني الصديق المثقف عبد
الواحد علواني بأن مثقفًا فرنسيًّا من أصل سوري مهتمًّا بما أكتب وأنه يتابعني
بعناية شديدة وأنه يرغب في التواصل معي وأنه قد أعطاه رقم هاتفي .. وبعد لحظات
حَصَل الاتصال الذي كان بدايةً لتواصل متكرر في أوقات مختلفة وكلها كانت حول الفكر
والفلسفة والفلاسفة والتخلف وأسبابه والنهوض وعوائقه…
أما المثقف الذي أعنيه فهو الأستاذ صبحي دقوري الذي صار يتكرر اتصاله من باريس ..
مدينة الأنوار .. ومن فرنسا الثورة .. فرنسا التي أنجبت أشهر الفلاسفة وأعظم
المفكرين الذين عملوا على زعزعة أركان الجمود وأسهموا إسهامًا عظيمًا في انعتاق بعض
الأمم من ركام عوامل التخلف واتجاه العالم نحو المزيد من التحرر والتقدم و
الإزدهار…
فرنسا التي أنجبت بايل ودولابُويْسَيه ولابروبير ومونتاني وديكارت
وباسكال وفولتير ومونتسكيو وديدرو وروسو ولامارتين ولافونتين وبودلير وموليير
ورامبو وأندريه جيد وكامو وسارتر ورينان ودوماس وكلود برنار وموباسان وأناتول فرانس
وجورج صاند وأندريه موروا ورولان بارت وأندريه مالرو وباشلار وكوكتو وفوكو ودريدا
وبرجسون ودهاميل وبريتون وأراغون وتودوروف وغيرهم من الذين امتد تأثيرهم إلى كل
العالم…
وقد عرفت من الأستاذ دقوري أنه فرنسي من أصل سوري من أكراد سوريا ..
غادر سوريا بعد أن أنهى دراسة المرحلة الثانوية وربما كان بريق أسماء المفكرين
الفرنسيين السالف ذكرهم ودَوَيُّ تأثيرهم هو الذي ملأ عقل الشاب الطموح فدفعه ذلك
البريق والدوي إلى هذه المغامرة الظافرة .. شابٌّ في الثامنة عشرة يغامر بالهجرة
إلى فرنسا .. إن هذه المغامرة ذات دلالة عميقة فلا يمكن أن يُقْدم على مثل هذه
الخطوة الجريئة سوى إنسان يملك القدرة على الاختراق وتجاوز الواقع ومواجهة المجهول
والاستعداد لكل ما ينجم عن ذلك من مخاطر وصعوبات…
دَرَس الهندسة المعمارية في
فرنسا وحصل على الإجازة فيها .. ومارس العمل في المجال الهندسي عشر سنوات .. ولكنه
من النوع المغامر فلا يرضى بالحال حتى لو كانت مجزية لغيره فعاد إلى مقاعد الدراسة
الجامعية مرة أخرى في مجال مختلف كليًّا فالرجل قادمٌ من سوريا وهي من المجتمعات
التي تختنق بالاستبداد السياسي والانغلاق الثقافي والضغط الاجتماعي فلا قيمة
للإنسان في مثل هذه البيئة الخانقة كما أنه ينتمي إلى الأكراد وهم من الأقليات في
سوريا .. ومعروفٌ كيف تعيش الأقليات العرقية و المذهبية والاثنية في المجتمعات
المتخلفة .. لذلك كان هاجس الحقوق هاجسًا عميقًا في نفسه فاتحه إلى دراسة الحقوق
ونال فيها إجازة .. وقدَّم بحثًا جامعيًّا عن غرامشي .. وهو اختيارٌ له أكثر من
دلالة لأن غرامشي واجه الاستبداد الفاشي بشجاعة مذهلة ودفع حياته ثمنًا لهذه
المواجهة…
المعروف أن غرامشي واحدٌ من أهم المثقفين الطليعيين في العالم في
القرن العشرين وقد حُظي باهتمام عميق ودراسات واسعة من قبل المثقفين والدراسين في
مختلف الأقطار ويتردد اسمه كثيرًا خصوصًا في الكتابات التي تتحدث عن دور المثقف فهو
صاحب مفهوم ( المثقف العضوي ) ومفهوم ( الكتلة الإجتماعية ) وغيرهما من المفاهيم
المحورية في مجال التغيير…
إن إقدام صبحي دقوري بأن يغامر وهو مايزال على تخوم
المراهقة فيترك وطنه ويواجه المجهول وينتقل إلى مجتمع يختلف كليا عن مجتمعه ثم بعد
أن ينجح في مهنة مغرية كالهندسة يتركها ويعود لدراسة الحقوق ثم يختار أن يكون بحثه
الجامعي عن غرامشي .. إن هذه التحولات كلها تؤكد أنه إنسانٌ طليعي مغامر في مجالات
الفكر والفعل وأنه متعلق بالفكر الرفيع وأنه مهمومٌ بالنضال الفكري احتجاجًا على
الأوضاع المتخلفة المتردية في سوريا وغيرها من المجتمعات العربية
والعالمية…
إن التحول من مجال الهندسة إلى مجال الحقوق هو انتقالٌ من مجال
الاهتمام بالأشياء إلى الاهتمام بالإنسان .. الاهتمام بحقوق الإنسان على مستوى
الفرد وعلى مستوى المجتمع وعلى المستوى الإنساني .. إن دراسة القانون تعني الإحساس
بالدور الأساسي للقوانين والدساتير في تنظيم العلاقات والمسؤوليات والواجبات
والحقوق فدراسة الحقوق هي دراسة لقوانين العدل ولكل المسارات والإجراءات التي تؤدي
إليه وتعمل على تحقيقه ومنع الظلم والإسهام في إغلاق المنافذ التي تسمح به أو
تُبرِّره أو تُشجِّع عليه فهذا التحول في الإهتمام يدل على إحساس عميق بأهمية
الإنسان الفرد ووجوب احترام حقوقه وتهيئة الفرص لتطوير إمكاناته وتحسين أوضاعه إنه
دلالة الحس الإنساني الرفيع الذي يليق بمثقف يهمه أن يتحقق الخير والأمن والسلام
للجميع…
ولكن الأستاذ صبحي دقوري لم يكتف بأن ينتقل من عالم الأشياء التي هي
مجال مهنة الهندسة إلى عالم الإنسان ومجال الحقوق والتماس العدل للجميع وإنما انشغل
بعالم الأفكار ورموز الفكر على أعلى المستويات فلم يكتف بأن يقرأ لكبار الفلاسفة
وإنما أقام علاقات فكرية مع كبار المفكرين الفرنسيين المعاصرين وأجرى معهم حوارات
عميقة وثرية من أمثال الفيلسوف الفرنسي إدغار موران والفيلسوف لوك فيري ودور ميسون
وباسكال بونيفاس وغيرهم من الفلاسفة وأعمدة الفكر ورجال الأدب وعلماء
النفس…
إن الاستاذ صبحي دقوري متوقد النشاط فهو يتواصل مع الكثيرين من أجل
الارتقاء بتفكير الناس أو تبادل الأفكار معهم ويستخدم كل الوسائل المتاحة فيتواصل
عن طريق الواتساب وكل البرامج المماثلة كما يستخدم مختلف الوسائل المتاحة
بالانترنت…
ولا يكتفي بذلك بل يذهب إلى كل مكان من أجل الالتقاء بالمثقفين
والتحدث مع المهتمين ويعمل على عقد لقاءات وندوات في فرنسا وتركيا والسويد وألمانيا
وغيرها .. إنه مذهلُ النشاط متعدد الاهتمامات…
ورغم أنه يعتمد في رزقه على
الاستشارات الحقوقية إلا أنه ينشغل عنها بالفكر بحثًا ونقاشًا وتواصلاً وحوارًا فهو
لا يكُفُّ عن التنقل ولا يتوقف عن الحركة…
ولم يكتف بذلك بل إنه بدأ في نشاط
مرهق فراح يترجم إلى العربية أصعب النصوص الفرنسية فقد كانت بدايته في مجال الترجمة
لبعض أعمال دريدا وهي نصوصٌ شديدة الصعوبة…
لذلك أسعدني أن يستمر تواصله معي
وأن ينجلي ذلك التواصل عن الحوارات الطويلة التي تجدون جزءًا منها في هذا الكتاب ..
ولن أتحدث عن هذه الحوارات فهي أمامكم تفصح عن ذاتها وتبين تنوع وعمق اهتمامات هذا
المثقف الطليعي الرائع…
*إبراهيم البليهي مفكرسعودي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….