في ظهور التطرف الديني ..

بشار أمين 

بدأ الإسلام السياسي بالظهور بُعيَد انتصار
الثورة البلشفية في روسيا أكتوبر 1917 وانتشار الفكر الاشتراكي في العالم ، وبدأ
الصراع السياسي والأيديولوجي بين معسكرين رئيسيين كما هو معلوم أحدهما بزعامة
الاتحاد السوفييتي والآخر مؤلف من الغرب الرأسمالي ( دول أوربا الغربية وأمريكا
وكندا بالإضافة إلى يابان ..الخ ) ، ومع تزايد حدة الصراع بين المعسكرين ازداد
التفكير بإبداع الوسائل والأساليب في محاربة كل منهما للآخر ، ومن جملة ممارسات
الغرب في مواجهة الشيوعية زعم أنها تعتمد فكرة الإلحاد فعمد إلى تسعير الاتجاهات
الدينية ضدها وبشكل خاص الإسلامية منها في الشرق حيث كان المناخ مهيئا لذلك ، حتى
أن أصابع الاتهام كانت موجهة لبريطانيا أكثر من غيرها بمد حركة الإخوان المسلمين
بالدعم اللازم آنئذٍ لانتعاشها وتطورها ، وهكذا بالنسبة للحركات الدينية في
أفغانستان وغيرها .
ويذكر أن حركة الخميني في عام 1979 قد جاءت بمباركة من الغرب ، لأن شاهنشاه إيران
لم يكن حينها على وفاق تام معه ( أي الغرب ) وكان منهمكا في العمل بشكل خاص لرفع
سوية الإمبراطورية الفارسية إلى مصاف الدول العظمى ، تزامنا مع تصاعد الاضطرابات
حينذاك في إيران ورأى الغرب أن لابد من تغيير ، و أن الاتجاه الديني الإسلامي هو
البديل الأنسب والمهيأ ولاسيما ( المذهب الشيعي ) وذلك لأكثر من هدف ومقصد الأول أن
النظام الديني هو من سيقف في وجه المد الشيوعي حينئذٍ ، ثم أن هذا النظام هو من
يتغلغل في الجمهوريات السوفيتية المحاذية لها ذات الديانة الإسلامية والبالغ
تعدادها حينها حوالي ستين مليون مسلم ، مما يضطر السوفييت إلى تقليم أظافرها فتضطر
إلى الارتماء في أحضان الغرب ، الثاني ستشهد إيران صراعات شتى دينية ومذهبية وقومية
وفئوية ، ذلك لوجود أكثر من دين ومذهب وفئة بالإضافة إلى اثني عشرة قومية وعرق ،
الأمر الذي سينعكس على عموم منطقة الشرق الأوسط كونها تمتلك مناخا مناسبا لذلك حيث
تعدد الديانات في المنطقة إسلامية مسيحية يهودية ايزدية ، ودول متعددة القوميات
والأعراق معظمها مضطهدة تعاني الاستغلال والاستعباد ، إلا أن الصراع الأقوى سوف
يكون على زعامة العالم الإسلامي بين إيران والسعودية وباكستان وكل واحدة منها تفكر
في امتداداتها وتوسعاتها المناسبة كما يحصل لإيران ، وحاليا لتركيا أيضا التي تحلم
بالإمبراطورية العثمانية ، وكما هو واقع الآن بين السعودية وإيران عبر اليمن
.
ومع انتهاء المعسكر الشرقي ، ازداد الغرب هيمنة على مقاليد الأمور في العالم
أجمع وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص ، وشعرت الاتجاهات الدينية بخطورة هذه
الهيمنة فعمدت إلى نقل صراعاتها صوب هذا الجانب ، وكان هجوم منظمة القاعدة بزعامة
أسامة بن لادن على الأبراج الأمريكية في 11 أيلول 2001 بدء إعلان الصراع المباشر مع
الغرب ، ( جدير ذكره أن بن لادن كان خريج كلية الاقتصاد من إحدى الجامعات
البريطانية ) وعليه فقد بدأ الغرب حملة تغيير واسعة حملت برامج هادفة وعناوين واضحة
منها مكافحة أسلحة الدمار الشامل ، محاربة الإرهاب والتطرف بكل أشكالهما وصورهما ،
مناهضة الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية ، تحقيق التحولات الديمقراطية ، والاهتمام
بالتنمية الاقتصادية ، وحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ، وضمان حقوق الإنسان في
الحياة بحرية وكرامة وعيش يليق بإنسان العصر .
 هذا وقد التقت الاتجاهات الدينية
المتطرفة والأيديولوجيات القومية المتزمتة والمشمولة بالتغيير ، ونسجت العلاقات
ونسقت فيما بينها سياسيا وعسكريا ونتجت عنها أشكال أخرى من الجبهات ذات أهداف ومرام
جديدة شتى ، وتحت أسماء ومسميات قروسطية وممارسات وانتهاكات فظة للإنسان وحقوقه ،
وجاءت الأوساط الأخرى لتستغل مثل هذه الحالات لتدعمها وتوجهها لأغراضها وأهدافها
الخاصة ..
ومن بين هذه المجموعات ومع اندلاع الثورة السورية ظهرت مجاميع متطرفة
عديدة أبرزها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والمتعارف عليه باسم ( داعش
) الذي يدعو إلى الخلافة الإسلامية على هدي الأسلاف ، ظهر هذا التنظيم فجأة وتوسع
بشكل هائل وانتشر في العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها ، وهو مكون من مختلف شعوب
العالم ، وعلى أن تركيبه من الإسلام السني وحواضنه هي المناطق السنية في سوريا
والعراق ، إلا أن ممارساته من القتل والتنكيل هي في السنّة ذاتها ، وعليه فقد قيل
أنه مكون من بقايا نظام صدام البائد والمجموعات الدينية والقومية المتطرفة هدفه
عودة ذاك النظام أو شيئا على شاكلته لأن ظهر عزت الدوري بدور وتطوعت رغد ابنة صدام
حسين بنكاح المجاهدين ، كما قيل أنه صنيع النظام الإيراني وموجه لتشويه السنة
واستعداء العالم ضدها ، وبالتالي تحقيق أهداف خاصة بها ، وقيل أيضا أنه صنيع النظام
السوري جيء به لأغراض عديدة منها استخدامه ضد قوات المعارضة بدلا من جيشه ، وأخرى
أن مثل هذه المجاميع ربما تكون البديل عنه في تهديد به للغرب ، وثالثة على أنه – أي
النظام – أرحم من هذا الذي يقطع الرؤوس ويمثل بالجثث ، وهناك من يرى أن داعش ليس
سوى مجاميع تحت إمرة قيادات استخباراتية شتى دولية وإقليمية مشتركة ، وهي موجهة
لمهام خاصة قد تكون تمهيدية لتحقيق أهداف معينة ومحددة ، كل هذه المسائل تشكل
بدورها اللغز والطلسم ! الذي ليس سهلا حله . 
وعلى العموم فإن جزءاً أساسيا من
مسئولية ظهور هذه التنظيمات الإرهابية المتطرفة يقع على عاتق الغرب الشغوف
بمحاربتها ، وهي ( أي هذه التنظيمات ) بالتالي ليس سوى لظروف مرحلية طارئة طالت أم
قصرت ، وعلى الرغم من كل جرائمها وبشاعة ممارساتها من القتل والتنكيل وانتهاك
الأعراض وسلب الأموال إلا أنها ربما ( الضارة النافعة ) ، التي نبهت واقتضت لمّ
الشمل بين شعبنا الكردي ، والتواصل والتفاهم مع المكونات الأخرى على الخطر الداهم
بغية التعايش عبر ثقافة التسامح بين كل شعوب المنطقة وشعبنا السوري على وجه الخصوص
من عرب وكرد وسريان وغيرها على مختلف مشاربهم ومعتقداتهم الدينية إسلامية ومسيحية
وإيزدية وغيرها ، وليعمل الجميع معاً وجنباً إلى جنب ضد الإرهاب والتطرف الديني
والتزمت القومي ، كما ينبغي أن العمل معاً من أجل الحرية والكرامة للجميع ، وتحقيق
مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات بين جميع المكونات وعلى أساس الاحترام
المتبادل وتحقيق الأماني والآمال المشتركة ، ورفع الغبن عن الجميع في دولة اتحادية
متعددة القوميات والأديان ذات نظام ديمقراطي برلماني يتسع للجميع للتعايش بعز
واحترام .
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…