فِيْ اَلْحِوَاْرِ وَضَرُوُرَاتِهِ كُورْدِيَّاً……!!!

اكرم حسين

يعتَبر الحوار من أهم وسائل التواصل والتآلف في
المجتمع المعاصر لما له من أثر في تنمية  الأفراد على التفكير والتحليل، كما يحرر
الإنسان من الانغلاق والجمود، ويفتح امامه قنوات عديدة للتواصل والتعاون، ويشكل
أسلوباً حضارياً لحل الخلافات والقضايا بين الامم والشعوب المتحضرة.
فهو بلا شكّ
–اي الحوار- ضرورة حتميّة تفرضها الطبيعة البشرية القائمة على الاجتماع والتّحدث مع
الآخر والاستماع إليه، فقد حاور الله تعالى إبليس، و استمرّ الانبياء في الحوار من
اجل اقناع الناس في دعوتهم الى عبادة الله عن طريق اقامة الحجة بالبرهان والمنطق
السّليم،
فغالبا ما يتم الحوار والتوافق اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا  وثقافيا في مجالات
كثيرة، ومستويات متعددة بين الناس، رغم اختلافهم في سويات التعليم والتوجه السياسي
والاجتماعي بدون دراية او تخطيط مسبق، كما يتم اقناع الاخرين باتخاذ موقف او القيام
بعمل، او غير ذلك من وسائل الحياة وطرق التواصل، حتى لو تعارضت الاهداف والغايات او
اختلفت الاجندات او اساليب معالجة المشكلة، سواء كان الوضع طبيعيا او في الازمات
التي تعترضنا كالازمة التي باتت تهدد وجودنا منذ اكثر من اربع سنوات من القتل
والتهجير وزرع الاحقاد وضرب مرتكزات الوحدة، وتقسيم الوطن السوري الى كيانات صغيرة
ومجموعات متناحرة، والقتل على الهوية لا سباب قومية او طائفية او مادية …؟ وبسبب
ما وصلت اليه الاوضاع في سوريا جراء التدخلات الاقليمية والدولية وسلب قرار
السوريين واستعمالهم كحصان طروادة لرسم خرائط جديدة، وتقاسم المصالح والنفوذ، وفق
احتياجات رأس المال العالمي الذي بات يبحث عن اسواق وحروب وهمية ويهدد السلم والامن
العالميين لا بد من البحث عن الارضيات المشتركة للوصول الى افضل الخيارات او
الاتفاقات او التوافقات الممكنة التي من شأنها ان تقرب وجهات النظر وتصل بنا الى حل
توافقي لمشاكلنا وتجنبنا حالات سوء الفهم وتبعدنا عن كل ما يعمق الصراعات وبما يحفظ
لكل الاطراف حقوقهم ومصالحهم، للوصول الى حلول وسط ترضي الجميع.  
  وفي الحالات
التي يكون فيها الحوار ايجابيا، يصبح الوصول الى نتائج مثمرة وملموسة مطلبا ملحا
وضرورة اكيدة، لكن في  حالات التنافر والتناحر، ووصول الطرفين المتحاورين الى طريق
مغلق فان ادارة الصراع السياسي والاجتماعي لا يقبل حلولا وسط ” فاما قاتل او مقتول
” ويتم حسم المعركة بتدمير او تشويه احد الطرفين (كما هو الحال في سوريا)، وقد نصل
الى ثقافة الارهاب التي يستبدل فيها الحوار بلغة العنف والرصاص، ورغم ما اسلفناه لا
بد من الاستمرار في التفاوض والحوار الايجابي بين الاطراف المتصارعة للوصول الى
نهايات قد لا تكون مرضية ومفيدة في المدى المنظور لكنها ستكون ايجابية للأطراف كلها
على المدى البعيد وهذا هو السبب الذي اركز فيه دائما على تأصيل اسس ومنطلقات
وديناميات الحوار والتواصل الايجابي في الوسط السياسي والاجتماعي الكوردي على وجه
الخصوص، لاننا اليوم  بأمس الحاجة الى حوار وطني كوردي حقيقي لعبور المرحلة التي
باتت تشهد مزيدا من التوتر والاحتقان وتهدد بنسف السلم الاجتماعي والتوازن المجتمعي
، جراء سياسات الاستفراد والاستحواذ والهيمنة من قبل بعض القوى السائدة، وحالات
التشكيك والتخوين والقاء التهم وتسويد القائم من قبل البعض الاخر، لذلك يصبح الحوار
امرا لازما كورديا، لتجنب الصراعات والمؤامرات التي تهدد الوجود من ناحية، والخوض
في خطط بناء المستقبل  من ناحية اخرى، ويمكن استعراض عدد من الامثلة لإثبات و تأكيد
قولنا السابق:
1 – رغم اتهام وليد جنبلاط النظام السوري باغتيال والده الشهيد
كمال جنبلاط قائد الحركة الوطنية اللبنانية ، قام بزيارة دمشق ، وعقد عدد من
الاتفاقات والمهادنات مع النظام، لحماية طائفته منطلقا من احساس عالي بالمسؤولية
فاقت شعوره كابن اغتيل والده، او كجزء من العائلة الجنبلاطية ليحمي ويصون عائلته
اللبنانية الكبيرة.
2 – في ظل المشاحنات والاتهامات القائمة بين رئيس السلطة
الفلسطينية محمود عباس وبين حركة حماس تم الاتفاق بين الطرفين للحفاظ على السلطة
الفلسطينية، وعلى المجتمع الفلسطيني ككل بما يضمن تخفيف معاناة اهل غزة ، والحد من
العمليات الجوية الاسرائيلية.
3 – مع استمرار المعارك الاعلامية والاغتيالات بين
حزب الله وتيار المستقبل اللبناني لكن الحوار لم ينقطع بينهما يوما، وما دعوة سعد
الحريري بالحوار واللقاء مع حزب الله، وتمسكه بالحوار سبيلا لصيانة وحدة لبنان
وضمان استقلاله، الا تاكيدا على ضرورة التواصل والحوار في كل الظروف والاوقات، رغم
الاختلاف.
ورغم المطارحات الايجابية والسلبية في الساحة الكوردية وما يرافقها من
اتهامات وافتراءات وتخوين، وسيطرة حركة المجتمع الديمقراطي واستحواذها على القوة
والمال والسلاح، واستفرادها بقيادة المجتمع !! فان ذلك لا يبرر اغلاق باب الحوار
الايجابي وامكانية عقد الاتفاقات والتفاهمات التي تهم وتخفف من معاناة الشعب
الكوردي رغم عدم وجود شريك حقيقي قائم على القدرة والفعل الايجابي في الوقت الذي
يكتفي فيه المجلس الوطني الكوردي بالبيانات ويفتقد الى سياسة واقعية وعملية للتخفيف
من معاناة شعبنا وامتنا للحد من نزيف الهجرة، واعادة الامل الى النفوس المهدورة
للتصالح المجتمعي الذي بات مهددا لبنية المجتمع الكوردي وقواه الحية، بعد ما جرى في
كوباني والحسكة واماكن اخرى .
لذلك فالحوار الايجابي حتى ولو يؤد الى اية نتيجة
في المدى المنظور سيبقى وسيظل الخيار الامثل بين كل قوى المجتمع الكوردي للوصول الى
تفاهمات مرحلية، او اتفاقات استراتيجية مشتركة لعبور المرحلة، وتجاوز الواقع البائس
الذي بتنا نعيش فيه وهذا الحوار الايجابي سيكون صمام الامان للوجود القومي الكوردي
ككل في سوريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…