السقوط الحر لإنسان غير حر

 إبراهيم محمود

عندما يسقط أحدهم من الطابق الثلاثين وأعلى
منه، حيث تنعدم شروط السلامة الصحّية، ويتناثر أجزاءً في ارتطامه بالأرض، تكون
حريته رهن لقمة الخبز بيد من لا يرى أبعد من أصابع تحصي ملايينه المتراكمة، وتكون
الجاذبية الأرضية بريئة من كل جرْم يمكن ضبطه هنا.
عندما يسقط أحدهم سقوطاً حراً
على الأرض مغمياً عليه بعد أكثر من اثنتي عشرة ساعة من العمل المرهق، تكون الجاذبية
الأرض هنا أيضاً معفاة من المساءلة، وحده رب العمل المستعبَد بهواه ومدى هواه هذا،
يُسأل عن الزمن المهدور عنده.
عندما يسقط أحدهم في الطريق ميتاً وبغتة، وهو في سقوطه الحر، لأن قهر كرديته أفقده
رشده وتوازنه، لا يعود الطريق محل السؤال عما جرى، إنما من لم يتردد في تعنيفه
وطرده، وربما إسماعه كلمات نابية تنال حتى من شرفه ” الأنثوي ” بالذات.
عندما
يسقط أحدهم طريح الفراش فجأة، وهو يشعر انهياراً كاملاً في قواه العضوية، تكون
جملته العصبية براء من كل تهمة يمكن تحميلها بها، إنما من سعى جاهداً وعلى مدى
سنوات وسنوات في امتصاص طاقته، ومنحه القليل القليل من الراحة.
عندما يسقط أحدهم
على الأرض وهو الجالس في كرسيه، وقد تسمَّر فيه ساعات طوالاً محكوماً بأوامر” رب
عمله “، لا ذنب للجماد إن آذاه، إنما من فقد الحد الأدنى من الروح الإنسانية في
تقدير القريب من حاملها، وهو واقف فوق رأسه.
عندما يسقط أحدهم على الأرض مثقَلاً
بأعباء رب العمل، عاجزاً عن استقامة جسمه، لا يُسأَل الحِمْل عن إثم مرتكب، إنما
المستعبَد بالمال، ومن يتساهل معه قانونياً، حيث تعرَب الحرية بتصريف اللاحر
هنا.
عندما يسقط أحدهم تحت وطأة شعار أو هتاف، وهو يردّده على مدى ساعات
انتظاراً ليوم موعود من قبل القيّم على مصيره، وهو ينظّر للحرية وثمنها، يحال
الشعار أو الهتاف جانباً، ويخضع مستثمرهما للمساءلة حتى تحريره من وهمه الذي
تلبَّسه مذ أبصر النور الخارجي وليس الداخلي.
عندما يسقط الكردي سقوط حراً على
طرقات مدينته ذات الاسم الكردي، أو أمام دوائر تعنى به، أو على حدود غير المنسوبة
إليه إلا تجاوزاً، أو خارج بلده الذي يحمَّل صفة الكردية مؤقتاً، أو يحال شهيد
كرديته رغم أنفه، ويهلَّل لموته العبثي وهو موجَّه من قبل العابثين باسمه ولقبه
ومصيره ومصير عائلته.. لا تكون الكردية مذنبة لتحاكَم، إنما الذين ثبَّتوا في
السقوط الحر هنا وهناك من يقصيهم عن كل حرية، ليستمروا متعهدي ما يعلي شأنهم
محصَّنين من كل سقوط حر، ربما يظهر مما تقدم، أن واهب الحرية الخاص، مذ وجِد كونه
وكائناته، مارس خلطة بين السقوط الحر ومن يموت مصادراً من حريته، حرصاً على محتكري
كل أشكال الحرية، حتى بالنسبة للسقوط الحر ذاته..
أرأيتم لكَم نحن الكرد حيث
تقاسمتنا الدول التي تقاسمت كردستان، والدول التي تقاسمت ” شعوب كرد كردستان ” في
مشرق الأرض ومغربها، وبحار الأرض الباردة والحارة، وصحاراها وغاباتها، ومافياواتها
ووكلائهم وكلاء وكلائهم…الخ، لكم نحن جلّابو شهرة ومتفوقين على شعوب الأرض كافة،
فكيف لو أننا بلغنا كرديتنا الموحدة في كردستان موحدة؟!
دهوك- في 31-تشرين
الأول، 2015 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مسلم شيخ حسن – كوباني شكل انعقاد الكونفرانس الكردي في السادس والعشرين من نيسان 2025 في مدينة القامشلي محطة سياسية بارزة، انعقدت عليها آمال واسعة لدى الشارع الكردي في سوريا، مدعومة بغطاء كردستاني لافت عكس إدراكاً جماعياً لأهمية اللحظة. وقد أفرز هذا الحدث جملة من المخرجات السياسية، على الصعيدين الوطني والكردي، بدت في ظاهرها متقدمة ومنسجمة مع تطلعات السوريين عموماً…

عبد اللطيف محمد امين موسى تتمثل الحاجة الى ضرورة البحث عن الاولوية في الانطلاق الى صياغة خارطة تعتمد على الحاجة الى اعادة هيكلية اولويات العمل السياسي الكوردي في سوريا، ولابد ان تكون عملية تأهيل وبناء الفرد الاستراتيجية الاساسية فيها، لما يشكل الفرد العامل الاساسي والقوة الحقيقية والشرعية في اي محطة لممارسة النضال السياسي ضمن الاطر العامة للتنظيمات والاحزاب السياسية. تكمن…

احمد مرعان مقولة الممثل السوري نهاد قلعي رحمه الله ( نهاد قلعي ) في مسلسل صح النوم ” كي نعلم ما في إيطاليا يجب أن نعلم ما في البرازيل ” تجسد الواقع العالمي الجديد وفق معطيات تكرس الحقيقة بوجهها الصحيح ، لما آلت إليه العلاقات الدولية بتفسير الحقائق طبقا للمصالح .. تشهد سوريا منذ أكثر من عقد ونصف تحولات عميقة…

د. محمود عباس من فمٍ إلى آخر، قد تتحول اللغة الكوردية من موسيقى عذبة تطرب لها الأذن، إلى صوتٍ نشاز تتأفف منه النفس. ولا يعود ذلك إلى اللغة ذاتها، فهي لغة رشيقة، دافئة، ومشحونة بذاكرة شعبٍ طويل العناء، بل إلى الطريقة التي تُنطق بها، وإلى مقدار ما بقي فيها من نقائها، أو ما علق بها من لغات الدول التي احتلت…