سوريا التجربة الثالثة لروسيا

د. محمود عباس

    أمريكا تتخلى عن المنطقة لروسيا، أو
بدأت تستخدم استراتيجية تساير عصر الإنترنيت، هذا ما يقال في بعض الأروقة السياسية
والإعلامية، وبما أنها تبحث عن مصالحها، وتحصل عليها، فلماذا ستقحم جيوشها في
مستنقع تستطيع أن ترسل قوى بالوكالة؟
   ويقال إن روسيا تريد إبراز ذاتها أمام
العالم كقوة منافسة، قبل أن تطالب بمصالح لها في الشرق الأوسط أو غيرها من المناطق،
ولا تزال تؤمن بالطرق الكلاسيكية أي الحروب الباردة الساخنة، وتتفق مع قوى إقليمية
للحصول على غاياتها، فلا تعترض أمريكا، وفتحت لها الأجواء على ارض سوريا، على بنية
ما سبق.
  فإما أن روسيا بدأت تغوص في المستنقع السوري، أو أن أمريكا بدأت ترى أمامها القوة
الروسية كقوة السوفييت الماضية، وعليها أن تقوم بتوزيع المصالح على سوية القطبين
المتعادلين، ونحن شهود على نهاية القطب الأوحد المسيطر على العالم؟ 
  لكن
المخزي إنسانيا، والبشع أخلاقيا، هو أن الطرفين يقدمون الأسلحة لقوى الظلام في
سوريا، سلطة بشار الأسد والتكفيريين والإرهابيين، على قدر كميات الدم المراق على
أرضها، يدفعون مقابل كل طن من الأموات أطنان من الأسلحة إلى الأطراف الشريرة
المتنازعة، نعم، أصبحوا يحصون الشهداء بالوزن وليس بالأسماء، هناك في سوريا مجرم
وشرير، قاتل وجزار، يستمدون الدعم من القوى الإقليمية والدولية ليمثلوا بالشعوب
السورية، لتصبح أكبر وصمة عار في تاريخ البشرية.
تجار الدم السوري، ينتقلون من
مؤتمرات إلى صفقات بكل أنواع العملات، في قاعات هيئة الأمم المنافقة، حدثت اتفاقيات
على أن موت ربع مليون سوري ليس كاف لإيصالهم إلى إيجاد حل للكارثة، فسمحت أمريكا أو
فرضت روسيا ذاتها على الواقع لاستخدام أسلحة أكثر عصرية وأبشع تدميراً. 
   اتفقوا أو اختلفوا لا يهم السوري البسيط، فقد تعلموا من تجاربهم المريرة أن هدر كل
هذه الأسلحة والأموال في ميادين القتال ضمن سوريا لا بد وان ثمنها سيقبض من دماء
بسطاء الناس، ومن معاناة السوري المهاجر والمخلف ورائه أضرحة العديد من العائلة،
وركام بيته الذي انقطع به الأمل العيش ضمنها آمناً، وهو متأكد بان إعادة بنائها لن
تحصل في سنوات عمره الباقية، أو المواطن الصامد آملا بقادم بدون سقوط براميل السجيل
من آلهة الشر والحرب.
 دخول الحروب سهل والخروج منها صعب، مقولة يذكرها ويعرفها
الجميع، هذا ما حصلت لسوريا، والمسبب الأول والأخير بشار الأسد بأدواته التي صنعها
أو قدمت له كهدايا، وهو الذي فتح الأبواب لكل مارق وخبير بالقتل والحروب دخول سوريا
للعبث بإنسانها قدر ما يستطيع، وداعش كانت واحدة من أبشع المنظمات الشريرة
المستخدمة والمرحبة بها والتي جمعت ضمنها كل حثالة البشر من مختلف دول العالم،
والمتكون من قذارة الإسلام السلفي والتكفيري والبعث وأشرار صدام حسين. فتحت الأبواب
لكل قادم يخدم سلطة بشار الأسد، وآخرهم الطيران الروسي، بعد أن لم تنفع ترسانات
الأسلحة المرسلة سابقاً، والمثل المذكور سابقا سينطبق على  التدخل الروسي
الجاري.
  ربع مليون وأكثر من السوريين قضي عليهم، شهداء في حكم الدين المجلوب
من خلاله كل أنواع القتل للمنطقة. استغلت روسيا وأمريكا نهج الإسلام التكفيري
العنفي، والمنظمات الإرهابية المستندة على نصوص مقدسة، ليضعوا الحجج لإدامة الصراع
على الأرض السورية، ويحافظوا على اشر الجزارين في المنطقة (بشار الأسد) ومهد
لأدواته بالبقاء أطول فترة ممكنة، داعش والنصرة وأحرار الشام وغيرهم، حتى عندما
انقلبوا عليه، ليبرروا تقاعسهم ونفاقهم مع قضية الشعب السوري، وليتهم كانوا جادون
بضرب هذه المنظمات التكفيرية الإسلامية بدون استثناء، ومعهم سلطة بشار الأسد، لكن
المبان حتى الأن، أن بوتين، يبحث عن عنجهيته قبل مصالح روسيا، ووجد أكوام جثث
السوريين أفضل الموجود ليرتقي عليهم، ليبرز ذاته، ويظهر أمام الأوربيين والأمريكيين
قدراته العسكرية، ويجرب صواريخه العابرة للقارات.
 تجربة أفغانستان وتدمير
الشيشان حاضرتا الوجود، أيهما الأنسب لبوتين؟ أم أنه يبحث عن ثالثة وستسمى بالتجربة
السورية في التاريخ القادم؟  والعوامل المساندة لهذه عديدة، من حيث وجود التكفيريين
والأشرار من أصقاع العالم، ومساعدات لا تنضب من قوى إقليمية، والحرب أصبحت مذهبية
بمطلقه، وأهلية في عمقه، وفي الطرف الأخر بشار الأسد وإيران يطبقون مبدأ بوتين
الشيشانية على الشعب السوري وهو مبدأ يحبذه بوتين لفرض قوته وأجنداته على العالم.
مع ذلك يبقى القيام بتجربة ثالثة تجمع بين التجربتين، وهو المطروح على الساحة، إلا
إذا ركز بوتين على تكتيك مخالف، وبمشاركة أمريكية، لمحاربة التكفيريين والإسلام
الراديكالي، وتغيير سلطة بشار الأسد، والطرفين يدركان أنها أصبحت من أصعب الأمور في
واقع الإسلام الجاري. 
   بدونها سيتوسع المستنقع الذي  أدخل بوتين ذاته فيها،
وقد ظهرت بوادرها قبل يومين، عندما أنزلت أمريكا وبشكل علني كميات ضخمة من الأسلحة
الخفيفة المتطورة، لمجموعة شكلتها حديثا وبسرعة غريبة تحت أسم (جيش الشام) لتواجه
الاتهام الروسي، بأن كل المعارضة السورية المسلحة منظمات تكفيرية وإرهابية، ولا
توجد قوى معتدلة، والجيش الحر أصبح في حكم العدم بين هذه المنظمات الإرهابية، وبسبب
عدم نجاح أمريكا في تشكيل المعارضة المعتدلة  توجهت وتحت ظرف القصف الروسي، إلى
التشكيل المذكور، وبمساعدة السعودية وقطر، وأرسلت لهم صواريخ متطورة، وسترسل
السعودية وقطر وغيرهما الأسلحة للمنظمات الأخرى تحت خيمة المتشكلة حديثاً.
    ومن هنا بدأت العملية تتجه في منحى تجربة أفغانستان، علما أن روسيا أرادت ولا تزال
تريد تطبيق خطتها مع الشيشان على المعارضة السورية المسلحة ومعظمهم من التكفيريين،
لكن وكما ذكرنا دخول الحرب سهل لكن تحديد دروبها ومسالكها خارج الإرادة.
 يطلب
السياسيون ضمن معظم الحوارات المدارة في أروقة الدول الكبرى المتصارعة على أرض
سوريا، حجم الأموال التي ستصرف أثناء تقديم أي مشروع، ولم يسألوا يوما كم من براميل
الدم السوري هدرت، لكنهم يسألون كم خسرت سوريا وكم ستحتاج من الأموال لإعادة
إعمارها، ولم يقدم أحداً تقريرا مناسبا عن الأموال التي يحتاج إليها المعاقون جراء
الحرب في الزمن القادم.
 فالأرقام تسهل عليهم وضع خططهم وتنفيذها بأقصى السرعة،
دون شعور بالذنب أو أحساس بتأنيب الضمير، بذاك الطفل الذي قتل أو سيقتل أو هجر أو
أصبح معاقا. وهنا لا نتحدث عن مجموعات الزامبيات(الشبيحة)، ومصاصي دم السوريين وعلى
رأسهم بشار الأسد، بل نسأل القوى التي تعرف وتكنى بالدول الحضارية، قادة الحروب
بالوكالة على الأرض السورية، الذين يصرفون بنزين الطائرات على قدر الدم السوري
المراق، بأي ذنب قتلتم الشعوب السورية وبأي ذنب سمحتم لمجرم بالبقاء على رأس سلطة
شريرة، وبأي ذنب تحافظون على الإرهاب في هذا الوطن؟

د. محمود
عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

10-13-2015

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جهان كور نعسان المثقف الكردي هو أكثر من استبشر وبارك سقوط النظام الأسدي بهيكليته و البعثي بعقيدته ، فليس بخافٍ كم من الأكراد المثقفين كانوا من معتقلي الرأي على مدى سنوات كُمِّمت فيها أفواه المثقفين بكل انتماءاتهم القومية والدينية في سوريا ، فلم يسلم في ذلك العرب و الكرد كما لم يسلم لا العلويون ولا الدروز ولا المسيحيون ولا أي…

شادي حاجي لم يعد بالإمكان التعامل مع ملف المختفين والمفقودين ولا مع قضية الأسرى الكرد في سوريا، بوصفهم حوادث معزولة أو نتائج جانبية لنزاع معقّد. ما يجري اليوم هو اختبار حاسم، بل إدانة مفتوحة، لمدى التزام السلطة الانتقالية في دمشق -بمختلف مستوياتها- بأبسط قواعد القانون الدولي، ولصدق ادعاءاتها بشأن الانتقال السياسي. إن غياب الشفافية، وامتناع الجهات الأمنية والعسكرية عن تقديم…

فيصل اسماعيل لم يعد ملف المعتقلين والمغيّبين في شمال سوريا، وخاصة من أنصار المجلس الوطني الكوردي، قضية إنسانية معزولة، بل بات مرآة تعكس تشابك الصراعات السياسية والعسكرية، سواء داخل البيت الكوردي أو بين القوى المتنازعة على الأرض، بما فيها «قسد» والحكومة السورية المؤقتة بقيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع في الداخل الكوردي، يشكّل الخلاف بين المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي…

المحامي محمود عمر ليس بعيدا عن مقولة: (ان نقطة الضعف لدى الكرد هي الإسلام) هذه المقولة التي تحمل بين جنباتها بعض الحقائق التي لا يمكن إنكارها على اعتبار إن الله قد خص كل شعب من الشعوب بطبائع تختلف عن طبائع الشعوب الأخرى، كما هو الحال لدى الأفراد، حيث ينفرد كل فرد بطبائع تختلف عن تلك التي يتميز بها قرينه، وليس…