كابوس أوباما السوري

جــودت هوشيار

يبدي الأعلام الأميركي هذه الأيام
اهتماماً كبيراً بالدعم الروسي المتزايد لنظام بشار الأسد ، حيث تشير المعلومات
الاستخبارية المسربة الى وسائل الأعلام الى قيام الروس ببناء قاعدة جوية بجوار مطار
اللاذقية وإنشاء دور جاهزة تستوعب حوالى الف شخص ومحطة لمراقبة حركة الطائرات ، كما
تقوم طائرات النقل الروسية والبواخر بنقل اسلحة ومعدات عسكرية الى سوريا. وليس من
الواضح النية الحقيقة للكرملين ، ولكن كبار المسؤولين الأميركيين عبًروا عن مخاوفهم
من أن يؤدي التصرف الروسي الانفرادي الى صدام مع قوى التحالف الدولي المناهض لداعش
. ويتهم بعض المحللين السياسيين الأميركيين الرئيس أوباما باللامبالاة تجاه ما يحدث
في سوريا وبغياب العزم و الإرادة في مراحل مختلفة من الصراع في هذا البلد ـ ويشيرون
الى خيارات عديدة كانت متاحة للبيت الأبيض في المراحل المبكرة للأزمة ،  لم يتم
استغلالها لحسم الصراع الدموي ومنع الانزلاق الى الفوضى .
 ومن هذه الخيارات:
– إنشاء منطقة ملاذ آمن للاجئين.
– تدمير طائرات النظام
على الأرض وفي الجو .
– تقديم الدعم الفعال للجيش السوري الحر.
هذه الخطوات
الثلاث كانت كافية لتغيير مسار الحرب في سوريا ولكن حسابات أوباما، غير الواقعية
بإمكانية التفاهم والتنسيق مع موسكو للتوصل الى تفاهم يضع حداً للصراع ادى الى
نتائج عكسية والى استمرار الصراع حتى اليوم .
من المرجح ان بوتين يرى الآن في
الضعف الأميركي فرصة لتحقيق عدة أهداف :
– ترجيح كفة الميزان العسكري لصالح
الأسد.
– منع أي مبادرة أميركية في المنطقة في حالة عدم التنسيق المسبق مع
الكرملين.
–  إنشاء حلف مناهض للولايات المتحدة في المنطقة  يضم روسيا وايران
والعراق وسوريا عن طريق ارسال الأسلحة وعقد صفقات الطاقة وابداء الاستعداد لأرسال
قوات بحجة الدفاع عن الحلفاء .
– تلميع صورة روسيا القوية مقابل اميركا
الضعيفة.
واستغلال كل هذا لاستعادة النفوذ الروسي في المنطقة واحتلال المكانة
التي كان يحتلها الاتحاد السوفييتي سابقاً. لذا فأن روسيا لا تريد لهذا الصراع أن
ينتهي وتحاول التشبث بموطيء قدم لها في المنطقة ، وفي الوقت نفسه تدرك خطورة
المستنقع السوري لذا فأن همها الأكبر اليوم هو حماية ذلك الجزء من الأراضي السورية
، الذي يضم دمشق وحمص والساحل السوري .
بعد حرب اكتوبر عام 1973 اقترح بريجنيف
ارسال قوات روسية محدودة الى منطقة النزاع للفصل بين الجانبين المصري والاسرائيلي
ولكن الرئيس الاميركي نيكسون رفض هذا الاقتراح رفضا قاطعا وادرك ان ذلك يعني اضفاء
الشرعية على الوجود العسكري السوفييتي الدائم في المنطقة .وها هي روسيا تعود اليوم
الى المنطقة دون ان تستطيع واشنطن فعل أي شيء يحول دون ذلك . الخطوة الروسية
الغامضة تحولت الى كابوس يؤرق كبار المسؤولين في واشنطن وفي مقدمتهم الرئيس اوباما
.
خطوة موسكو الحالية أشبه بالخطوة الأميركية الأولى في الحرب الفيتنامية. ففي
البداية أرسلت اميركا عددا محدوداً من المستشارين والمدربين العسكريين ، ولكن
الواقع الميداني أرغم واشنطن على ارسال المزيد ثم المزيد منهم بمضي الزمن ، وفي
نهاية المطاف اضطرت الى إرسال قوات برية لحماية نظام سايغون الآيل للسقوط ، ولم يؤد
ذلك الا الى إراقة المزيد من الدماء وتكبيد الولايات المتحدة خسائر بشرية ومادية
جسيمة واهتزاز مكانتها في العالم .
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…