أيها الراحل العزيز خليل كالو رغم المختلَف عليه

ابراهيم محمود

مأخوذاً بألمي الخاص، بهجرتي الكردية
الخاصة، بألم الجاري الشديد الخصوصية، أفاجَأ برحيلك يا العزيز، يا الكاتب الناري
المضيء خليل كالو.. ربما أخطأتَ الهدف، ربما ضاعفت العيار في التعبير في تسمية
منقودك، لكنك والله وتالله وبالله كنت أثيراً إلى روحي، كان لك قراؤك، كان لك
محبّوك، كان لك خصومك، كان لك من يحترمون فيك اسمك الثنائي ” خليل كالو “، كان لك
منتظرو كل جديد يحمل اسمك ولو أنه يتضمن جملاً، كلمات تتطلب تنقيحاً، سوى أنها كانت
مقروءة لافتة، مثلما أنك أنت روحك يا الصديق أولاً وأخيراً: صديق كالو .
صحيح هو
الألم النفسي والعضوي  وحرقة معايشة الكردية، ما يغلقان على المرء، لكنه الألم نفسه
والحرقة ذاتها يحرّران المرء هذا من هذا الانغلاق المفتوح نحو الداخل .
لكم التقينا في بيتي الذي يبكي آثار أهله، وفي أكثر من مكان قامشلاوي، عند أكثر من
صديق وصاحب وحامل ود، وما أكثر هؤلاء وقد أصبحوا ” خارج المكان ” بأجسامهم ، لكم
عشناها كرديةً تنفتح على كل شيء ، وكنت طليقَ الكلام، ساخراً، لماحاً بحركتك : شعرك
الأشهب والدقيق، سمرة وجهك الريفية، عيناك الضيقتا الحدقة السهميتان إضاءة، وفورة
صحة جسمك كجذع شجرة سنديانية، كلثومية معصميك…الخ، من كان يتوقع ” أسمّيني هنا ”
أن ترحل رحيلك الأبدي هكذا سريعاً.
نعم، إنها سنوات مرَّت، ولم أقرأ لك، سوى
أنني كنت أعرف في قرارة نفسي أنك هناك، وفاتني أنك كنت مريضاً، فاتني أنك كنت تقاوم
مرضك  العضال يا أخي الكردي، وربما يفوت سواي ما أنا عليه في مرض وأكثر، وما إذا
كان عضالاً أم لا، ربما سيفاجىء موتي هذا سواي، كما فاجأتني بموتك، ولكم بكيتك
بروحك قسماً بالتراب المفجوع الذي شهد لقاءاتنا .
ليس لدي كبير شأن وتحفظ بما
كنت تثيره وتنغّص أحبة لي ولك، أو لي وليسوا لك، مثلما كنت أنا، إن الشأن العظيم
هنا هو هذا المختلف عليه، أو ونحن نلتقي وكلٌّ منا يعلم بما يكونه الآخر خير علم
 يا خليل كا..لو.
ماذا فعل بنا المكان الموحد وقد تشظى، الكردية التي لم تحسن
تقريبنا من بعضنا بعضاً ولا أعتقد أننا ” أنت وأنا  وغيرنا مثلنا” محاسَبون حرفياً
على ذلك، ما أعتقده هو أن ظلالنا كانت تتجاوز حدود هذه الكردية الانقسامية ، وحتى
إن كنت أوردتَ اسمي في جملة ” مؤذية ” في محاولة إيلامي في مكان ما لم أطَّلع عليه،
فحلال على روحك ذلك يا أخي خليل .
وأنا أفاجَأ برحيلك الأبدي كما فاجأني آخرون
بموتهم كرداً وغير كرد، لا يمكنني استدراك ما فات، لا تنقيح لشيء طواه الموت ، فما
حصل منك وأنت في عالمك الآخر ليس سهواً ، إنما حقيقة فاصلة بيني وبينك. يا لمرارة
هذه الحقيقة يا خليل العزيز بروحه وأنا ألمحك بطيف روحك تسلسل الكلام على امتداد
حدود خيالاتنا ، حدود ما نحلم ونفكّر ، موجِع هو هذا النبأ الأليم، هذا المشهد الذي
علِمت ُ به وأنت في صورة ” وقوفاً ” أمام مكتبة ” مكتبتك ؟ “، وخبر النعي ، وأنت في
حركة دائبة، لتبرز المكتبة وحدها تعلن حدادها على أنفاسك، هواجس أناملك، ملاصقة
قلبك لرفوف مكتبتك، ارتحال نظراتك صوب العميق في صفحات ما تقرأ وقد أفصحت عناوين
بالكردية وغيرها عن نفسها .
أنا هنا في غربة، هجرة تمارس هوايتها النكدية داخلي،
وأنت الآن لم تعد تعبأ بكل ما يتردد حولك، لكم تمنيت أن أكون الآن بالقرب منك، قبل
أن تودّع عالمك وتوارى الثرى، ولم تترك أثراً لك سوى ما كتبته ، أن أقف بجوار أهلك،
أحبتك، وهم يتقبلون التعازي ويعزّون بعضهم بعضاً، وأعتبرها أفضل أنواع الاحتفاء
بروح أخي بروح صديق بالتأكيد .
أخي، صديقي خليل.. اعذرني لأنني لم أحسن بلوغ ظلك
قبل دفنك، بلوغ قبرك قبل أن يضمك نهائياً إليه وأودعك دون أن أدعك كما لو أنك لم
تكن، وتقبَّل مني هذا العزاء عن بعد، أنت ومن ذكرتهم أهلاً وأحبّة، حدادي الوحيد
عليك، ولا أدري فيما إذا كنت يوماً أستطيع السلام على روحك وأنت في  رحابك قبرك
وأنا في استطاعة قولة: سلاماً يا أخي خليل كالو . من قال أننا لا نستطيع اللقاء
؟
دهوك
في 15 أيلول 2015  
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في مقالتها الأخيرة بالعربي الجديد ( عن نقاش المواطنة والأقليات في سورية ) ٥ \ ١ \ ٢٠٢٦ ، تعتبر الكاتبة السيدة سميرة المسالمة ” انني قولت مالم تقلها ” في ردي المعنون ” اعلى درجات التمثلية القومية ” المنشور بتاريخ ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ ، على مقالتها السابقة : ” “مواطنون في دولة سورية… لا مكوّنات ولا أقليات”…

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…