عبدالله أوجلان من إمرالي إلى الإقامة الجبرية

توفيق عبد المجيد

ما جرى ، ولازال
يجري في هذه المنطقة الملتهبة من أحداث متسارعة ، اتسمت بطابع العنف ، والعنف
المضاد ، كلها مؤشرات لا يصعب تفسيرها على من يتتبع تلك الأحداث ، فهي معطيات ،
وحيثيات لإنتاج وقائع ومستجدات تؤثر بشكل شبه جذري على ما يجري على مسرح الأحداث ،
لتتغير كتحصيل حاصل لها أدوار اللاعبين على ميدان الأحداث ، ومن ثم تكون الخرائط
السياسية والجغرافية أقرب إلى الوضوح ، ثم التبلور إلى الشكل الأقرب من المخططات
النهائية المرسومة للمنطقة .
 لم تكن الانتخابات البرلمانية التي جرت في تركيا في شهر حزيران المنصرم ، وفوز حزب
الشعوب الديمقراطي وللمرة الأولى ، وبهذا الشكل المفاجئ وغير المتوقع للكثيرين داخل
تركيا وخارجها ، إلا تعزيزاً لنهج الحوار والتفاوض الذي يمتد من إمرالي ، إلى أنقرة
، إلى كوردستان ، وليبرز الكورد على السطح كقوة برلمانية ثالثة ، وكقومية غيّبتها
الأنظمة السابقة ؛ عسكرية ومدنية ، بفضل السياسة الموضوعية العقلانية التي سلكها
حزب العدالة والتنمية ممثلة بشخص الرئيس رجب طيب أردوغان .
هنا وجدت القوى
المناهضة للحل السلمي للقضية الكوردية في تركيا أن ما يجري على المشهد السياسي في
تركيا لا يصب في مصلحتها ، فكان لابد من القيام ببعض الاستفزازات المعرقلة للخط
التفاوضي الحواري بين الكورد وحكومة العدالة والتنمية لتبرز على السطح مرة أخرى
الأعمال العنفية الدموية من قبل من لا يرضيهم ذلك ، ليبدأ العنف والعنف المضاد من
الطرفين ، ويترجم في مذبحة سروج الدموية ، ليكون رد الفعل أعمالاً انتقامية من
الطرف الآخر ضد العسكريين الترك ، وتطفو العمليات العسكرية على سطح الأحداث مرة
أخرى ، وتصعد القوى العسكرية التركية إلى الواجهة ، ويظهر قادة عسكريون جدد في هيئة
الأركان والقوى الجوبة والبحرية وقيادة الدرك ، ويطال القصف هذه المرة جبال قنديل ،
ليكون التيار المناهض للحل السلمي أمام خيارين ؛ إما التصعيد – وهذا قد يصطدم مع
مخططات ومشاريع مضادة له – أو التجاوب مع نداء الحوار والسلم ، وهذا يتضارب بل
ويتناقض مع الدور المناط به كتيار منفذ لأجندات إقليمية .
وليس بخاف على أحد أن
الاقتصاد التركي انتعش في السنوات العشر الأخيرة بعد توقف العمليات العسكرية مع حزب
العمال الكوردستاني ، والمنحى الحواري التفاوضي الذي انتهجه حزب العدالة والتنمية
بعد مساع عقلانية حكيمة من قيادة إقليم كوردستان بين السيد أوجلان وحكومة العدالة
والتنمية التي تجاوبت مع تلك المساعي ، وأكاد أجزم أن عودة العمليات العسكرية لن
يكون مرحباً بها من غالبية الشعوب التركية حيث صدرت أصوات كثيرة منددة بهذه
العمليات من داخل تركيا وخارجها يأتي في مقدمتها صوت حزب الشعب الجمهوري الذي دعا
إلى وقف العمليات العسكرية ، والعودة إلى طاولة الحوار ، والصوت الحكيم المسؤول
الذي صدر عن الرئيس البارزاني الذي فضّل ساعة سلام على سنوات حرب .
لا أستغرب أن
يتعرض حزب العمال الكوردستاني إلى هزة تنظيمية تفرز تيار الحوار والتفاوض الذي يسعى
إلى الحل السلمي ، عن التيار الذي يحتكم إلى صوت البندقية ، ويلتقي مع القوى
العسكرية التركية الساعية إلى إعادة الأعمال العسكرية إلى الواجهة ، بمعنى أن تيار
جميل بايك المدعوم إيرانياً سيتراجع أمام تيار مراد قره يلان الداعي إلى استئناف
ومواصلة الحوار ، ويلقى الدعم من السيد أوجلان والسروك مسعود بارزاني ، والرئيس
أردوغان المتجاوب مع هذا الخط . فهل ستبادر حكومة العدالة والتنمية إلى استبدال
الحكم الصادر على السيد أوجلان بالإقامة الجبرية مثلاً كبادرة حسن نية ؟ هذا ما
أرجحه في الأيام القادمة .
9/8/2015
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…