سنكذب على بعضنا بعضاً ولأننا نكذب سنكذب

 ابراهيم محمود

سنكذب على بعضنا بعضاً، وكما هي الأيمان
المغلَّظة، سندخِل الوطن الممزق في السلام والكلام المنمقين، وسنحرص على إنعاش بقية
الروح لتكون شاهدة الأحوال والمقامات، ليكون لكذبنا الصدى المدوّي، وليكون في مقدور
كل منا التعمق كذبات.
سنكذب على بعضنا بعضاً فاتحة شهيات لموضوعات لا مفاتيح
لها، كما هي الخاصية الكردية باعتبارها قفلاً أفقدته غرابة أهليه كل مفتاح يتجاوب
مع حركته، وعراضة صور زعاماتية دون الحد الأدنى من الاستحقاق الزعاماتي أصولاً،
يشهدها العالم أجمع تأكيداً على أن الكرد شعب لا يريد أن يكون شعباً وجغرافيا لا
يراد لها أن تكون نزيلة تاريخ في خانة تسمّيها، بإدارة لا تحتاج ترجماناً لمعرفة
الفاعلين الأوَل كرداً، كما هي الميزة الميزانية في الجهات التي صارت دواماتية،
جهات الكرد الملعوب بها كردياً غالباً، وكما بات المتعارف عليه في أروقة السياسات
الكبرى مدى سخاء الكرد الأُلى في إبقاء كردستان كرَبستان بعلامة فارقة دولياً .
سنكذب على بعضنا بعضاً، ولن ندّخر في تصريف العيد في اشتقاقات تملّح ما عهدناه
كذباً، وما أردناه ونريده كذباً، ونثقل على الموبايل، على صفحات الفيسبوك المرهقة
بآثامنا ما يصلنا بسلسلة أكاذيبنا المتوارثة: حدثني الكذاب ابن الكذاب ابن الكذاب
ابن الكذاب ابن الكذاب، قال: طوبى للكذابين، وتفخَّم هنا روايات وحكايات لتأكيد أن
الكذب هو القاعدة والصدق هو الاستثناء، وكلنا علم في الداخل أن ما يجري من نخر
موصول بالكذب قيمة القيم والدرس البليغ في ترسانة حياتنا.
سنكذب على بعضنا
بعضاً، ويعلم الأكذب فينا أنه الأكثر حضوراً بالنخر السالف ذكره كما هو أرشيفه
الحياتي بالصوت والصورة، وأن لا شيء يمنحه توازناً أكثر من الكذب تلو الكذب باسم
الوطن وفرحة انتصاراته والقيمين عليه، وباسم الدماء المحرَّرة والمتدفقة في أوردة
جغرافيته، ليؤمّن هذا الأكذب مقاماً له لدى من يهمه أمره وهو بطلعته
المبهرجة.
سنكذب على بعضنا بعضاً على الهواء مباشرة، وبالطلعات البهية والممكيجة
والتخريجات المطلوبة في الصوت وتهجئة الكلمات المطلوبة، وانتظام النبرات، مستقبليين
دون مستقبل، وسلفيين دون معرفة حقيقة الأسلاف، وفي صحبتنا جيش جرّار من المشاعر
وفبركات اللغة إيذاناً بأن الكذب خير معين في تحقيق المكاسب قبل بلوغ أرذل
العمر.
سنكذب على بعضنا بعضاً، ليأخذ العلم علماً أن جموعاً غفيرة من الكرد لها
براعتها في ابتداع منهجيات للكذب باسم الكردايتي ووالتفاني من أجل كل ذرّة تراب
كردستانية، وعلى قدر البذخ في الشطحات الكرداورية يكون نيل حظوات أو لفت أنظار من
يهمهم الأمر، ولتكون كل مناسبة تبارياً في تأكيد براءة اختراع صنوف من الكذب لوجوه
تترى، لها قدوات في الأمس البعيد والقريب والحاضر ومشجعون في الغد وأبعد منه، طالما
أن الوطن الذي لم يخرج من هلاميَّته ولما يزل مأخوذاً بحبل مشيمي ملفوف حول الرقبة،
محال عليه في ” إلى إشعار آخر “، طالما أن تعويذة  ” سنكذب ” بصليلها متنافَس عليها
هنا وهناك، فلا عيد يبز عيد استذكاره، ولا حفل تعارف وتداع يناظر حقيقة اسمه
المعظَّم .
سنكذب على بعضنا بعضاً، ونشرك معنا كل خلائق الكون وضمناً الجمادات،
ليكون الكلام مملحاً، والتلقي حميمياً، وأن لا شيء أكثر من العطل اليومية أو
السنوية أو الدورية تنمّي أوجه العطالة في ذاكرتنا الجمعية، واستهتارنا بأنفسنا
ونحن، نحن وليس سوانا، بجموعنا الملايينية، أمالم سمع العالم وبصره، لنخرّج أجيالاً
موشومة أرواحها بالكذب، ومعمرين لهم السجل الذهبي في الكذب، وناطقين باسم أقدس
المقدسات في الوطنية والقومية والثقافة المثلى.
سنكذب على بعضنا بعضاً، ونحن
نتبادل الأنخاب عما يجري وهو موصول بمصيرنا الجماعي، وكل منا ينتظر الآخر على سقطة
أو فيها، ليكون الأخير في الحديث عنه وعلى ذمته المشبعة بالكذب إجمالاً، وأن لا شيء
يمكنه ردعنا أو صدنا عن سواء المنتقى من  ” مناقب ” الكذب، حتى لو أننا في المجمل
العريض على علم يقين وعين يقين وحق يقين أن الذي يجري فينا وحولنا على حساب الوطن
الممزق حدوداً، والمجتمع المنتهك سلاماً فعلياً، والآمال المنشودة وهي في تدنًّ
مستمر، وأن المباح كذباً معزّز ضداً على المستباح نقيضاً، وأن البراعة الوحيدة هي
أن نمضي حيث كنا، وأن نستمر حيث يستحيل النظر إلى ” الوراء ” كرمى أمّة تتشوق إلى
اسمها الفعلي كردية الصوت والوجه والقامة والعلامة، وأننا في رباطة جأشنا ما اعتدنا
التحول ومخالفة ما كنّاه إلى إشعار أبعد من الآخر: سنكذب على بعضنا بعضاً ولأننا
نكذب سنكذب.
دهــــــوك

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…