رسالة ضرورية

مصطفى جمعة

على مدى يومي الخميس والجمعة ، تعرضت
كوباني إلى هجمة بربرية شرسة من قبل التنظيم الإرهابي الظلامي (داعش) راحت ضحيتها
المئات من الشهداء والجرحى من أبنائها الميامين . 
مجزرة مروعة ، وكارثة إنسانية
، ترقى إلى مستوى التطهير العرقي البغيض ، المدانة دوليا عبر مواثيقها ومبادئها
وأعرافها . ونطالب ، هنا ، الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ككل ، بفرض الحماية على
شعبنا ، وإنقاذه من المجازر التي تقع بحقه ، من جانب داعش ، أو ، من الشوفينية التي
مورست من الأنظمة المتعاقبة .
هذا الحدث الاجرامي الداعشي ، تجاه الناس العزل في كوباني الكردية ، لا تعبر فقط عن
فاشية وعنصرية وظلامية الجهة الفاعلة ؛ بل هو تعبير عن مدى المؤامرة الهائلة على
الشعب الكردي أينما كان ، تقف وراءها جهات عديدة لها مصلحة في إدامة الصراع الداخلي
في سوريا من جهة ، وإلى الصراع الكردي – العربي من جهة أخرى . وما يجري الآن في
الحسكة وجه آخر لفكرة ضرب الكرد بالعرب أو العكس .
لقد أفرزت العملية الداعشية
في كوباني ، حقائق على الأرض ، أهمها :
1-  يتساءل الجميع عن كيفية وصول كل هذه
السيارات المدججة بالعناصر والسلاح والكميات الوافرة من الذخيرة ، الى كوباني ، عبر
نقاط تفتيش وحدات الحماية ، دون أن يشتبه بها ، هل هناك تواطؤ ؟ هل تخترق داعش
خطوطنا وحماياتنا وسيكولوجيتنا ؟ هل مناطقنا بعد التحرير ستكون عرضة للإنتهاك كما
جرى في كوباني ؟ ولماذا يقال بأن داعش قد عبر من معبر مرشد بنار ثم يجري نفي ذلك في
الوقت نفسه ؟ مع وجود أسئلة كثيرة أخرى لا نريد الإشارة لها حفاظا على توجهاتنا في
وحدة الصف الكردي في هذه المرحلة الدقيقة من إرهاصات الصراع الذي يدفع به العنصريون
العرب ضد الشعب الكردي ، وليس حزبا بعينه . 
أفترض أن خللا جسيما تسود المنظومة
الأمنية والعسكرية لقوات الحماية الكردية ، سببها الأساس ، الفلسفة العقيمة ( فلسفة
الأمة الديمقراطية) والعناصر الغريبة عن المنطقة ، وغربة هذه الوحدات – بما تحمل من
سياسة وفلسفة – عن المجتمع ، لتفردها وتسلطها ، وعدم قبولها للآخر ، السياسي
والاجتماعي والثقافي ، إلا إذا كان جزءا من منظومته .
2-  داعش قوة إسلامية
سياسية تستند في توسعها وبنائها الهرمي على عقيدة الجنة والنار ، وسبايا الدنيا ،
وحوريات الآخرة ، وتستغل سيكولوجية الشعب البسيط ، والحاضنة الشعبية في مناطق
توجدها ، وتمارس تكتيكات ميدانية ، تنجح فيها في غالب الأحيان للأسباب السابقة ،
وموصل والأنبار وتدمر ، علامات على ذلك . ولا أعتقد أن هذه التكتيكات من بنات
أفكارها ؛ بل هناك غرف عمليات مخابراتية أمنية ، لها تشعبات كثيرة ، في إطار مشروع
وأجندات إقليمية ، تصب معظمها في محاربة الشعب الكردي ، بهدف النيل من صعود وتقدم
القضية الكردية . وما يجري في الحسكة ، وإصرارها على احتلال تلك المدينة ، ليس فقط
بهدف توسيع مناطق سيطرتها ونفوذها ؛ بل إن ذلك يفتح أمامها عمليات التواصل المباشر
مع معظم المناطق الكردية ، وتنفيذ مهمة قتال الشعب الكردي ، باعتبار أن داعش تخدم
مخططات وأجندات إقليمية .
3-    أربع دول إقليمية لها مصلحة أكيدة في إفشال
التوجه الكردي نحو حق تقرير المصير . 
برأيي هناك مشروع إقليمي له امتدادات
دولية ، يرى في التوجه الكردي نحو حق تقرير المصير ، كارثة على مصالح هذه الدول ،
باعتبار نجاح القضية الكردية ، وصعود الكرد كقوة عسكرية واقتصادية في المنطقة ،
تحدث تغييرات هائلة وبنيوية في الشرق الأوسط ، ولهذا فإن المؤامرة على الكرد ستستمر
بأساليب وتكتيكات مختلفة ، بغض النظر عن “نجاحها” أو فشلها بقوة بيشمه ركتنا
الأبطال ، وحكمة الرئيس مسعود البارزاني ، وصمود شعبنا في وجه الإرهاب الموجه بشكل
خاص تجاه شعبنا وقضيتنا . وتعثر وتعقيد العلاقات بين الحكومة المركزية في العراق
وحكومة إقليم كردستان ، وما جرى في برلمان كردستان ، والتصريحات المشكوكة بشأن
كردستان روج آفا ، والأصوات العنصرية مؤخرا ، كلها دلائل باتجاه التصعيد ليس إلا
.
لقد فتحت المجزرة في كوباني ، الباب أمام الكثير من التساؤلات ، والمواقف
الواجب اتخاذها ، لتقوية البنية الداخلية لتكون عصيا على الاختراق مرة أخرى ، وهذا
الأمر يتطلب القيام ببعض الخطوات الضرورية والملحة ، حول ترتيب البيت الكردي ،
ووحدة الصف ، على أسس بعضها مقر سابقا في اتفاقيات بين المجلسين الكرديين ، وآخرها
اتفاقية دهوك برعاية الرئيس مسعود بارزاني ، أو الوصول إلى تفاهمات جديدة . وأرى أن
الخطر محدق بكردستان سوريا ، بدءا من عفرين ومرورا بكوباني وانتهاء بديركا حمكو ،
ولا تستطيع قوة واحدة ذات منهجية غير معروفة وملتبسة عند معظم أبناء شعبنا ، أن
تنفرد بمصير روج آفا ، وأقترح الآتي كحل ، لهذا الوضع :
1-  إما تفعيل اتفاقية
دهوك ببنوده الثلاثة ، وقبول الشراكة الحقيقية بين المجلسين ، واللذين يضمان معظم
مكونات الحالة السياسية الكردية في كردستان سوريا ، أو الاتفاق على شكل جديد من
التفاهم ، ولكن أيضا بهدف تحقيق الشراكة الكاملة ، درءا للأخطار القادمة ، الداهمة
على مناطقنا . رغم أنني وحسب خبرتي لا أتوقع أن تقبل ب ي د بأية شراكة ، لأسباب
يعرفها الجميع . هم دائما يريدون الاستفادة من الأطر والهيئات واللجان المشتركة بين
المجلسين لتسويق أجنداتهم ، وتركيز تفردهم وتسلطهم وهيمنتهم على كل شيء . وإذا ما
تم رفضهم لاتفاقية دهوك ، أو تفاهم جديد ، فإنهم يتحملون المسؤولية الكاملة أمام
الشعب والتاريخ .
2-  على المجلس الوطني الكردي في اجتماعه القريب ، تبني قوة
بيشمه ركة روج آفا ، كقوة كردية جاهزة تريد أن تدافع عن كوردستان سوريا ، وتنال
أيضا شرف الشهادة في هذا السبيل . وعلى الدوائر العسكرية والأمنية التابعة لحزب
الاتحاد الديمقراطي أن تقبل بذلك ، درءا للصراع الكردي الكردي ، واقتتال الأخوة .
نحتاج إلى مواقف جريئة وقرارات سياسية مهمة من المجلس الوطني الكردي في اجتماعه
القادم .
3-  حزبنا ، الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا ، بني على أساس مشروع
سياسي واضح ، ليتحول إلى قوة سياسية جماهيرية ، يلبي رغبة وطموح من يلتزمون به ،
ويرتبط بمتطلبات الحالة السياسية الكردية ، بما يؤدي إلى تحسين وتفعيل الوضع ،
وتقوية دور المجلس الوطني الكردي – مع الاحترام الشديد لدور وفعالية وتوجهات
الأحزاب الحليفة الأخرى – ولكن ، يبدوا ، أننا لم نكن على مستوى المسؤولية ، بسبب
كلاسيكية عملنا ، ومع ذلك ، يتوجب علينا مرة أخرى ، أن نأخذ دورنا وفعاليتنا ،
وسرعة حركتنا ، في مواجهة الحالة الراهنة ، وندفع باتجاه صيانة مكاسب شعبنا ،
والعمل على خلق أرضية الخروج من التفرد وسيطرة الأمر الواقع ، وعدا ذلك نبقى ،
ويبقى الجميع في حالة الترهل والانتظار ، دون فائدة . 
في 28-6-2015 
مصطفى
جمعة
عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…