داعش ولدت من رحم الاستبداد .!

د. محمد محمود

 
قال عبد الرحمن الكواكبي في تشخيصه
لعلل الأمة العربية  و الاسلامية  أن (( أصل الداء هو الاستبداد السياسي )) ، و أن
كافة صنوف الظلم و الشقاء ما هي الا فروع و تشعبات لاستبداد الحكام . 
برزت في
سورية بعد الثورة السلمية التي حولتها النظام الى المسلحة ، طغاة و ضحايا جدد ،
فظهرت على طرفي معادلة الاستبداد و الطغيان في سوريا ، رموز من أمراء الحروب و قادة
تشكيلات الميليشياوية و أجهزة امنية بلباس الاسلام السياسي ، و يمارسون جميع انواع
القتل و التكيل الوحشي بالتوازي مع اجرام النظام الاسدي هذا فيما يتعلق بالطرف
الاجرامي من المعادلة ، و فيما يتعلق بطرف الضحايا من المعادلة فهو الانسان السوري
الذي يرفض ان يتنازل عن قيمه و كرامته و مبادئه .
 و لا يمكن عزل و فصل الجرائم الارهابية الممنهجة و المدروسة التي تجري في سورية عن
ظاهرة التطرف الديني و القومي و الطائفي التي عملت عليها النظام أكتر من اربع عقود
و التي تقف خلفها بالاساس ثقافة الاستبداد و أنكار الآخر و الأقصاء و قمع الحريات و
التنكيل و الاستهانة بأنسانية الانسان . 
 أمراء داعش يمارسون جميع أنواع
الاستبداد و لا يحق لرعايا دولتهم المزعومة حق الاختيار ، و يحق حتى أختيار خليفتهم
(( معرضين بذلك حتى عن سيرة الخلفاء الراشدين الذين صعدوا للحكم بتوافق مجتمعي )) و
لا اختيار نظامهم ، انها ترى انها هي ذاتها ملزمة بالشريعة التي هي أمر رباني ، لا
مجال للبشر في اختياره أو رفضه ، و لكن (( شريعتهم )) ، ضيقة يزعمون انها فعل السلف
الصالح ، بينما في الحقيقة اجتهاد بشر أختار من فعل السلف و الأحاديث ما يوافق فهمه
، فشكل به تيارا يضرب عرض الحائط بالشريعة الاسلامية الثرية بتنوعها و مذاهبها التي
تشكلت عبر قرون باجتهاد أئمة و فقهاء و علماء الدين . 
و ربما أخذت (( داعش ))
كما أخذ من قبلها النظام الاستبدادي الاسدي من تراث النازية عددا من الممارسات ،
لكن الخطر الكامن في توصيفها بأنها النازية الجديدة تحديدا يكمن في أنه يشكل تغطية
على ممارسات الانظمة الاستبدادية ، الأمر الذي يصب في مصلحة هذه الانظمة و يخلصها
من الوصمة النازية و يشكل تغطية مباشرة لجميع جرائم هذه الانظمة . و لكن فان سياسة
الافناء التي اعتمدها النظام الشمولي في سوريا و سد الآفاق أمام أي بديل ديمقراطي و
العمل على الفتن الطائفية و القومية خلقت حواضن للتطرف و الارهاب و ارتكبوا افظع
الجرائم بحق الشعب و بأساليب مختلفة . و لا يمكن انشأ المستبد دون وجود حاضنة شعبية
لثقافة الاستبداد ، فان وجود هذه الثقافة في غالبية المجتمع التي عمل عليها النظام
خلقت ثقافة عدم قبول الآخر و الاعتراف بحقوق الجميع في الاختلاف بالرأي و التفكير و
بهذا فان المستبد الجديد يستغل هذه الثغرات من التعصب الديني و القومي و المذهبي
لفرض نفسه بثوب جديد ، و غاليا يظهر معارضون لنظام المستبد ليس من أجل الحريات و
الحقوق و الكرامة للمواطنين ، التي ينبغي ان يتمتع بها الجميع و أنما من اجل حرية
توجههم السياسي و الفكري تحديدا ، فهم ليسوا ضد الاستبداد في حد ذاته و جميع مظاهره
، و انما ضد استبداد محدد ، فيكون في ذلك الوقت الصراع و النزاع ينتج بين مستبد و
مستبد مضاد ، و ليس نزاعا بين الحرية و العدال و الكرام و حقوق الانسان من جهه و
الاستبداد و الشمولية من جهة أخرى . 
 الارهاب الذي انبثق من احضان الاستبداد
مرض لكل الاديان .  لا تكفي محاربته بالصواريخ و الطائرات و التحالفات الدولية و
الأمن و القضاء – و هذا كله ضروري – لكن الأهم القضاء على جذوره العميقة و التي
تكمن في الفساد الاقتصادي و السياسي و الاجتماعي و في التأويل السيء للاسلام (( و
من يزرع الاستبداد يحصد الارهاب )) و الاسلام لا يمكن ان يقبل بالاستبداد و الارهاب

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين هل كنا نحتاج لاثني عشر شهرا حتى نفهم ما حصل؟ هل اصبح الوقت بلا قيمة لهذه الدرجة؟ هل الوضع السوري الدقيق ما بعد سقوط الاستبداد يتحمل هذا العبث بالحالة الكردية السورية؟ هل ما يحتاجه الكرد اليوم إعادة انتاج المشهد الحزبي الفاشل بدلا من طيه بعد المراجعة النقدية؟ هل فعلا ان وحدة الكرد متوقفة على تلاقي مراكز حزبية كانت…

الأخبار الكوردستانية الكوادر التي فُرضت على مؤسسات وبلديات روج آفا من قبل قنديل لم تكن كوادر مؤهلة ولا تمتلك أي أساس إداري أو مهني. أغلبهم من كرد باكور، بلا شهادات، بلا خبرة، وبلا أي معرفة بإدارة مجتمع أو مؤسسات، سوى دورات أيديولوجية مغلقة تُدرَّس في كهوف قنديل، قائمة على تمجيد فكر أوجلان، وهو فكر منسوخ أصلاً من كتابات يالجين كوجوك….

كفاح محمود   لم يكن سقوط نظام الرئيس صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 نهايةً فعليةً للدكتاتورية في العراق، بقدر ما كان انهيارًا لشخص النظام ورموزه الأكثر فجاجة، فيما بقيت في العمق ذهنيةُ الإقصاء والغلبة ومصادرة الدولة لصالح فئةٍ أو حزبٍ أو جماعة، وما جرى بعد ذلك لم يؤسس، كما كان مأمولًا، لدولة مواطنة حديثة تنقض إرث الاستبداد، بل…

شادي حاجي الحيرة التي يعيشها الشعب والأحزاب والنخب الثقافية والمجتمعية الكردية اليوم ليست حالة عابرة ، بل انعكاس لأزمة أعمق بكثير من مجرد غياب “ صيغة سياسية ” جامعة . فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص المؤتمرات والاجتماعات أو الوثائق ، بل في تراكم انعدام الثقة ، وتضارب المصالح الحزبية والشخصية والارتباطات الكردستانية والاقليمية ، وتباين الرؤى حول شكل حل…