اكرم حسين
بعد عقود من العمل الحزبي، وسنة واكثر من سبعة اشهر على التحولات الدراماتيكية التي حدثت في المشهد السوري، ورغم ما عاناه الكرد السوريون من ظلم وفقر وتهميش واقصاء ، يبرز سؤال مصيري: هل لدى الأحزاب الكردية التقليدية في سوريا القدرة على مواكبة متغيرات المرحلة؟ أم أن بقائها على النهج ذاته يحوّلها إلى اكبرعائق أمام تطلعات الشعب الكردي؟
يشير الواقع العياني الملموس إلى أن أزمة المشروع السياسي الكردي في سوريا لم تعد تقتصر على التحديات الخارجية فقط ، بل تجاوزتها إلى أزمة داخلية في الرؤية والأداء. فالتجربة التي امتدت لعقود لم تنجح في ترجمة طموحات الشعب الكردي إلى مشروع وطني جامع، بل غالباً ما تحوّل التعاون مع الأطراف الإقليمية والكردستانية إلى تبعية جعلت القرار السياسي أسير حسابات لم تعبّر عن الأولويات المحلية ، والمفارقة أن هذه الأحزاب، التي راهنت على خطاب “الاستثنائية” المبرّر في زمن النظام البائد، لم تدرك أن تلك “الاستثنائية” نفسها أصبحت اليوم عائقاً أمام الاندماج في دولة تبحث عن بناء وطن جامع ، لا عن إدارة مكونات منعزلة.
اليوم، ومع صدور المرسوم 13 الذي فتح نافذة جديدة لمعالجة القضية الكردية في إطار الدولة السورية، اصبحت الحاجة ملحّة لمراجعة جذرية. إذ لا يمكن للأحزاب القائمة، بتركيبتها ومناهجها المتوارثة، أن تمثّل شريكاً فعّالاً في هذا المسار الوطني. فالمطلوب ليس تعديلاً شكلياً، بل اعتراف صريح بفشل النماذج الحالية، وربما تجاوزها إلى حلّ طوعي يمهّد لولادة إطار سياسي جديد يضع المصالح الوطنية السورية والكردية في صلب أولوياته. فالتجربة الكردية لم تفشل لأنها قومية، بل لأنها تحولت إلى نخبوية مغلقة، توجّه خطابها لمن لا تحتاجهم وتهمّش من هم في قلب المعاناة اليومية، فتحولت بذلك إلى آداة لإعادة إنتاج الذات لا لتمثيل المجتمع
ان المرسوم 13، مهما كانت نقاط قوته، يبقى وثيقة تحتاج إلى نقاش موسع وجهد مضني ليكون إطاراً عادلاً وشاملاً ، دستورياً ، لكن الأعمق من نقاش الوثيقة هو العقول التي ستدير هذا النقاش ؟ فالمرسوم لا يحتاج إلى تأويلات نخبوية بقدر ما يحتاج إلى عقول جديدة تفكك القديم بكل جرأة وشفافية ، وتجيب عن سؤال أن نكون ؟ وكيف نكون ؟ وهنا يكمن دور الكرد في سوريا: ليس بوصفهم طرفاً هامشياً، بل فاعلاً أساسياً في صياغة مستقبل البلاد ، وهذا يتطلب جرأة على الاعتراف بالعجز، وشجاعة على فتح الباب أمام دماء جديدة، وأفكار مبتكرة، وخطاب وطني يتجاوز الانقسامات. فالاعتراف بالفشل ليس عاراً، بل هو شرط لاستحقاق المستقبل، وهو بداية طريق آخر أكثر وعياً وفعالية، يضع الكرد في قلب الدولة ، ويجعل من تنوعهم ثراءً لا تهديداً.
حان الوقت لمناقشة هذه الخيارات بكل شفافية، لأن استمرار الجمود يعني أن الجميع سيخسرون: الكرد يخسرون فرصتهم في الحقوق والمواطنة الكاملة، وسوريا تخسر تنوعها الغني. فالتغيير يبدأ من الداخل، فإما أن يكون الكرد جزءاً من الدولة بكل ثقلهم وإلا سيبقون رهائن للذاكرة وأدوات للأطراف ؟