مخاوف الأتراك و لعبة النظام السوري

مروان سليمان

نجح النظام السوري إلى
حد ما في عسكرة المجتمع السوري و خلق جماعات إرهابية تقاتل الشعب في جميع الأحوال
إلى جانب قتالهم لبعضهم البعض أو حتى قتالهم للنظام السوري في أحيان أخرى، و من هنا
فإن النظام السوري عمل على دعم حلفائه و تقويتهم ليكونوا له بمثابة الورقة الرابحة
في النهاية فعمد على تسليم إدارة المناطق بكاملها لحلفائه و ذلك بهدف تخفيف الضغط
على الجيش الأسدي المتهالك في المعارك التي تدار منذ أكثر من أربع سنوات، و بذلك
فتح النظام المجال أمامه أكثر ليجعل من تلك المناطق التي إنسحب منها لتكون مناطق
حروب و إشتباكات بين جميع الفصائل المتحاربة إلا مع قوات النظام.
من هنا نلاحظ بأن المدعومين من قبل النظام السوري بالمال و السلاح و خلق أرضية خصبة
لتحركاتهم هم الذين فرضوا أنفسهم على الأرض و الذين شكلوا بمثابة سلطة أمر واقع ،
حيث تم رفع أعلامهم و أعلام أحزابهم بالإضافة إلى إقامة الحواجز المسلحة على
الطرقات و فسح المجال للإعتقالات العشوائية بين صفوف الشباب و البنات و دهم بيوت
المعارضين و خطف الآخرين كل هذا قد جلب لهم الشهرة و خاصة في الأوساط الشبابية على
أنهم حامي الحمى و البطل القومي الذي حافظ على الكرد في حين أن أغلب الشباب الكرد
أصبحوا مهجرين في شوارع الغربة.
من أجل ذلك تأتي المخاوف التركية من التقدم
الكردي على جبهات القتال و خاصة تل أبيض الذي يعتبر المعقل الأخير لإرهابيي داعش
المدعومين من قبل الأتراك أيضاً في تقاطع للمصالح التركية السورية مع هذا التنظيم
الإرهابي الذي يحاول الأتراك عن طريقه كسر شوكة الكرد و تهجيرهم و إجراء تغيير
ديمغرافي في المنطقة الكردية، و إن أكثر ما يغيظ الأتراك و يستفزهم هو رفع الأعلام
(الكردية ) على حدودها الجنوبية و التي تتحسس من إثارة الكرد لديها في المطالبة بحق
تقرير المصير أو الإستقلال إلى أبعد الحدود و هذا ما يريده النظام في خلط الأوراق و
تعقيد المشاكل الحدودية أكثر و هذا ما تتخوف منه تركيا في إنفجار اللغم الكردي
لديها في أي وقت و خاصة إذا إنهار النظام السوري فجأة، و إذا كان تفكير النظام
السوري صحيحاً بهذه الطريقة فإن أقرب السيناريوهات هو دعم الكرد في الإستقلال عن
الدولة السورية و تطوير الصيغة المعتمدة في الكانتونات الكردية إلى أقليم كردي أو
دويلة كردية في النهاية مقابل دويلة علوية في الساحل و خاصة إذا ما لاحظنا في
الأونة الأخير إستفزازات النظام للدروز حتى تصبح مشروع الدويلات سارية المفعول إذا
ما فقد النظام السيطرة على الأوضاع.
تركيا التي تعيش في حالة كوابيس تتخوف من
إنتشار الفوضى و إقامة دويلة كردية في جنوبها و خاصة إن إقليماً كردياً في أقصى
جنوبها قائماً و إعترفت فيه مرغماً عنها عملاً بالمثل القائل الوقاية من الأخطار في
إقامة مزيد من العلاقات الحسنة بين ساسة الترك و الكرد لصالح الطرفين إقتصادياً و
سياسياً و أمنياً، و تسعى تركيا من وراء ذلك في بناء الثقة لتغيير الأجواء و إيجاد
حلول سلمية للقضية الكردية في تركيا و خاصة إذا ما لاحظنا بأن للويلايات المتحدة
مصالح في تشجيع تركيا على بناء علاقات جيدة مع كردستان العراق و المصالحة مع
كردها.
15.06.2015 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…