الشرق الأوسط ونهاية التاريخ

  شيركوه
حسن

 يقول فوكوياما, إنّ التاريخ
انتهى بنهاية الحرب الباردة, بوضع حد للأفكار الأيديولوجيّة في التاريخ معتمداً على
ثلاث عناصر, إنّ الديمقراطية المعاصرة هي البديل الحضاري للأنظمة الدكتاتوريّة في
العالم, وإن فكرة الصراع التاريخي المتكرر بين السادة والعبيد لا يمكن أن تنتهي إلا
في ظل الديمقراطية واقتصاد السوق الحر, كما أنّ فوكوياما يقول: إنّ الاشتراكية
والشيوعيّة وكذلك الايديولوجيات الأخرى فشلت ولا يمكنها أن تنافس الديمقراطية.
   أما “صامويل هنتنجتون” فيقول في صراع الحضارات: إنّ الشُعًب الثقافية أو الدينية
المختلفة الهويات ستكون المصدر الرئيسي للصراع الناتج من الرغبة في السيطرة, على
الإنسان, الأرض, الثروة, وفرض الثقافة باللين أو بالقوة, 
أي أنّ الصراع سيبقى طالما بقيت الثقافات المختلفة, لأنّ ما يحكم العلاقة بين تلك
الحضارات والثقافات, هو ” الصدام ” الناتج عن تصارع الثقافة أو الهوية التي تحكم كل
حضارة, كونها وحسب “هنتجتون أنّ الثقافة أو الهوية الثقافية والتي هي هويات حضارية,
هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ والصراع في العالم”, أي أنّ العوامل الثقافية
المتشابهة والمختلفة هي التي تتحكم بالمصالح والخصومات في العالم وأنّ الصراعات
الأكثر ترجيحاً هي التي تنتمي إلى حضارات مختلفة .
وحسب فوكوياما وهنتجتون فأنّ
الديمقراطية أثبِت من خلال التجارب على أنّها أفضل النظم التي عرفها الإنسان
أخلاقياً وسياسياً واقتصادياً, وأنّه مهما حدث في التاريخ من صراع فأنّه لن يكون
سوى تجارب مكرّرة من صراع الإيديولوجيات والطبقات كون أحداث الظلم والاضطهاد في
التاريخ لم تنتهي فأنّ الحسم سيكون لصالح الديمقراطية باعتبارها أسمى المعايير
الأخلاقية التي تُحكم من خلالها المجتمعات وتتحكم بعلاقاتها الداخلية والخارجية,
حيث عرفوا الصراع والنهاية في إطار الصراع الأخلاقي المستمر بما يتناسب مع التطور
الطبيعي لثقافات تلك لمجتمعات, حيث تتحكم بنتائجها قانون “البقاء للأفضل” . 
 هذه هي الرؤية الفلسفية أو العلمية ” لنهاية الصراع “, أمّا الرؤية الدينية
ولكافة الأصول والمذاهب, فهي تجمع على وجود الصراع الأبدي بين قوى الخير والشر ”
الله والشيطان ” وأنّ نهاية العالم ستكون في المعركة الكبرى بين القوتين وأنّ قوى
الخير ستحسم المعركة لصالحها وستقضي على الشر بشكل نهائي وسيعيش الإنسان الأخير بعد
ذلك بسلام دائم وهي تتشابه في وصفها للنهاية كما أنّها جميعاً تتفق على مكان
المعركة الفاصلة بين الخير والشر وهي منطقة الشرق الأوسط “منطقة الصراع الحالية”
ففي اليهودية يذكر أنّه وحسب المفهوم التوراتي أنّ ارمجدون” جبل مجدون” وهي منطقة
في فلسطين هي مكان المعركة الفاصلة بين الخير والشر وتكون على أثرها نهاية الشر
ويستند اليهود إلى النص العبري الوارد في “سفر الرؤيا” بأنّ المعركة الكبرى ستقع في
الوادي الفسيح المحيط بجبل مجدون وأنّ المسيح سوف ينزل من السماء ويقود جيوشهم
ويحققون النصر على الكفار وهي عقيدة مسيحيّة يهوديّة مشتركة. 
 أمّا الإسلام
ووفق رؤية أهل السنة فيقول: إنّ الحرب التي ذكر النبي (ص) والتي يقاتل فيها
المسلمين اليهود ويُسلطون عليهم تكون في آخر الزمان وتكون عند خروج الدجال ونزول
عيسى بن مريم وظهور المهدي وفق رؤية الشيعة حيث يرى أتباع المذهب الشيعي أنّ هذه
المعركة والمعركة التي تسبقها هي معركة تحرير القدس ونهاية الظلم والكفر كما يسند
إلى أحاديث الرسول (ص) وأهل البيت, بوصفها المراحل النهائية لحركة المهدي المنتظر
ليظهر في المعركة النهائية والفاصلة في آخر الزمان .
 وبالنظر إلى ما تقدم
وبإسقاطه على منطقة الشرق الأوسط وما تشهده من أحداث ومتغيرات غير واضحة البرامج
والأهداف, بغض النظر عن المقدمات التي كانت من مسببات الحراك ليبدأ فيما بعد عملية
الخلط والتفكيك في بنية المجتمع من كافة النواحي, بالاعتماد على الحركات العابرة
للحدود الجغرافية والأخلاقية والثقافية للأمم وشعوب المنطقة, لتدخلها في متاهات
صراع دموي مرعب دون أن يظهر في الأفق أي علامات أو حتّى ما يشير إلى النهاية 
ليُبقي على التساؤل المشروع ما الذي يحدث هل هي نهاية التاريخ على حد تعبير
فوكوياما أم هي استكمال لصراع الحضارات وإعادة التموضع انطلاقاً من نتائج الصراع
وفق “هنتجتون” أم هي المقدمات الضرورية لبدء المعركة الكبرى وعودة المسيح وظهور
المهدي المنتظر وفق الكتب المقدّسة, وإلا ماذا يريد الكل من الكل, شعوب وأديان
ومذاهب ……؟! .  
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نورالدين عمر ​تقف جميع القوى السياسية الكردية، في مختلف أجزاء كردستان، صفاً واحداً إلى جانب “روجافا” في هذه المرحلة المصيرية؛ إدراكاً منها لحجم التحديات والمخاطر التي تستهدف الوجود الكردي برمته. ولم يصدر عن أي قيادة سياسية كردية مسؤولة، في أي جزء من كردستان، اتهام أو تشكيك بقيادات قوات سوريا الديمقراطية أو بالإدارة الذاتية، بل على العكس تماماً، هناك إجماع…

سوسن ديكو ما جرى في تجربة الإدارة الذاتية لا يمكن توصيفه بوصفه فشلًا مجتمعيًا، بل إخفاقًا سياسيًا وإداريًا تتحمّل مسؤوليته القيادات التي صاغت السياسات واتخذت القرارات، لا القوى العسكرية ولا الموظفون ولا الفئات التنفيذية ذات الصلاحيات المحدودة. ففي كل تجارب الحكم، تُقاس المسؤولية بموقع القرار لا بموقع التنفيذ، وأي محاولة لنقل تبعات الفشل إلى الحرس أو الجنود أو العاملين في…

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….