مهلاً أيها الجنرال التركي!

 الدكتور شمدين شمدين

إن من يستمع إلى التصريحات الأخيرة للساسة والعسكريين الأتراك بخصوص كردستان والأكراد يتفاجئ بالنبرة الحادة والنارية التي أخذ يبديها هؤلاء المسؤولون، فرئيس الوزراء  أردوغان المرشح لرئاسة الجمهورية لا يتوانى عن إطلاق التهديد تلو التهديد تجاه الزعماء الأكراد في العراق
ووزرائه الآخرون يعددون يوميا ما يعتبرونه عطايا للكرد العراقيين أيام صدام ، ويطالبون الأكراد اليوم باسترداد ثمن عطاياهم ، في الوقت الذي يحجزون هذه العطايا عن ثلث الشعب في الجمهورية التركية العريقة ، أما رئيس الأركان التركي فقد كان الأبرز في هذه الحملة الممنهجة تجاه الكورد ، ولكون العسكر لهم الكلمة الأولى في هذه الجمهورية العلمانية فان تصريحات رئيس الأركان تشكل البداية الفعلية للتحرك على الأرض، فقد دعا في مؤتمره الأخير إلى غزو شمال العراق دون أن يسميها باسمها الدستوري كردستان وذلك بحجة ملاحقة عناصر الPKK  هناك ، ودعا أيضا ودون اعتبار لأية مواثيق دولية أو قوانين محلية إلى تصفية حزب المجتمع الديمقراطي DTP الممثل السياسي الوحيد للكرد في تركيا ، كما طالب بإغلاق الصحف الكردية ، مما يبين وبوضوح تام ما يرمي إليه هذا الجنرال التركي البارز ، وهو القضاء على كل صوت كردي مقاوم لسياسات الإنكار والظلم والقمع الممارس تجاه القومية الكردية في تركيا ، وهنا لا داعي لذكر المظالم التي يتعرض لها الكرد في تركيا فقد أصبحت معروفة للجميع ويمكن أن نورد مثالا واحدا فقط لمثل هذه المظالم ، حيث إن أكثر من عشرين مليون كردي في تركيا محرومون من التمتع بأدنى حقوق إنسانية ودون أي اعتراف بهويتهم الثقافية والتاريخية ، لكن  الجنرال التركي الكبير ! مازال يحلم بتراث الإمبراطورية العثمانية و يطالب في السر والعلانية بولاية الموصل العراقية، ويعتبر إلى الآن غزو قبرص انتصارا لجيشه الجبار كما يعتبر لواء الاسكندرونة جزءا من جمهوريته الموشومة بالديمقراطية ، ويتناسى في خضم ترديده للتهديدات تجاه الكرد ، انه لولا الكورد لما انتصرت تركيا في ما تسميه بحروب التحرير ولما قامت الدولة التركية الحديثة ولولا دعمهم لوحدة الدولة التركية وإطلاقهم لمبادرات السلام لكانت تركية تعيش الآن واقعا شبيها بالواقع العراقي ، ان الجنرال التركي الذي تضايق كثيرا من تصريحات الزعيم البرزاني لم يفهم بعد أن الأمة الكردية امة واحدة تجمع أبنائها المشاعر القومية ذاتها  التي تجمع أيضا التركي في تركيا مع التركي في قبرص وأذربيجان وإيران ، ثم إن البرزاني لم يقل ما يستحق كل هذا الهجوم، فحتما لو غزت تركيا كردستان فان الأكراد هناك لن يقفوا مكتوفي الأيدي بل سيدافعون عن حريتهم وكرامتهم ووطنهم ، وحينها سيناصرهم الكورد في ديار بكر وأغري وديرسيم وغيرها من مدن كردستان تركيا ، فمثلما يطالب الجنرال التركي ومعه الساسة الأتراك بحقوق قومية لمئات الآلاف من تركمان العراق ويتدخلون بسببهم في شؤون العراق الداخلية ، كذلك فالكرد يمكن أن ينهجوا نفس النهج تجاه إخوانهم الكرد في تركيا المحرومون من ابسط حقوقهم القومية، ربما يظن الساسة الترك و رئيس الأركان إن اجتياح كردستان نزهة، وستكون شبيهة باجتياح شمال قبرص ولكن يبدو جليا إن ذلك مختلف تماما، فحتى لو أعطت أمريكا الضوء الأخضر لتركيا لاجتياح كردستان ، فان عسكر تركيا سيجدون أنفسهم غرقى في المستنقع الكردستاني وبدلا من أن يحاربوا بضع آلاف من قوات الPKK  على ذرى جبال قنديل ، فإنهم سيلاقون في طريقهم الملايين من الأكراد  الذين سيتوحدون في وجه العدو الأوحد، وسيجد البرلمانيون الكرد المنتمون إلى حزب العدالة والتنمية AKP حرجا في البقاء تحت مظلة هذا الحزب، في الوقت الذي يقتل فيه إخوانهم في كردستان وربما يعلنون انسحابهم من الحزب ، وربما تنشب في الوقت عينه حرب أهلية تركية- كردية ستمتد حتما إلى كل الشرق الاوسط لوجود الأكراد في أكثر من دولة، وسينهار حينها وضع العراق المتأزم أصلا ، وتجد إيران نفسها في وضع صعب مع نشوب حرب على حدودها وبالتالي يمكن أن تلتهب المنطقة بأكملها ويحصل ما لا يحمد عقباه ، وهنا بالذات على المرء أن يفكر كثيرا في ما يحصل الآن من حمى التصريحات ويتساءل: هل هي دعاية انتخابية ياترى، أم إنها أطماع تركية تاريخية في ولاية الموصل الغنية بالنفط ، ربما يكون التحليل الأول صحيحا وربما يكون الثاني صحيحا أيضا، ولكن مهما يكن من أمر ، فان تركيا عليها أن تتذكر إن إسرائيل بكل قوتها لم تستطع أن تقضي على حزب الله ولا حتى على حركة حماس وقبلها حركة فتح واضطرت إلى التعامل مع هذه الحركات كأمر واقع، ولجأت إلى التفاوض مع بعضها وكذلك يفعل الأمريكان مع المسلحين في العراق، وحتى اسبانيا تفاوضت مع حركة ايتا ، وبريطانية مع الجيش الجمهوري الايرلندي لان الحل العسكري لم يؤدي إلى أية نتيجة بل أزمت الوضع أكثر وأدت إلى إراقة المزيد من الدماء، لذا وحتى تتجنب تركيا وضعا شبيها بالوضع العراقي ، خاصة وان وقف إطلاق النار الذي أعلنه حزب العمال الكردستاني قد اقترب من نهايته ، عليها أن تلجا إلى حل القضية الكردية في تركية بالطرق السلمية وعبر باب التفاوض ، ثم عليها أن تتعاون مع أكراد العراق وكردستان على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والأخوة بين الشعبين الكردي والتركي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأية طرف كان ، على الأتراك أن يصافحوا يد السلام الذي يمده الأكراد إليهم حتى تصبح المنطقة ساحة للأمن والاستقرار والتنمية بدل أن تكون أتونا للحرب والفقر والقمع كما يهدف أعداء  حرية الشعوب وتآخيهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…